حكاية وطن
مراسل حربى فى أولى إعدادى«1»
يوم 10 رمضان 1973، كنت فى أولى إعدادى وذهبت الى المدرسة فى رحلة المعاناة اليومية، واكتشفت انها مغلقة من الخارج، وعندما سألت عم مصطفى عامل البوابة عن السبب قال لى: الحرب قامت، لم تكن عند عم مصطفى معلومات اضافية أو تفاصيل يمدنى بها، وعملت للخلف در وعدت الى قريتى ومعى باقى التلامذة.
فى الطريق الى المراشدة وهى قرية بين قنا ونجع حمادى تتبع حالياً مركز الوقف، مررت على دوار العمدة لأنه الوحيد الذى كان يملك «راديو» يتابع منه الأخبار، ويسمع أم كلثوم، وعبدالوهاب، وفريد الأطرش ويسمع المسلسلات ويحكيها لكبار العائلات الذين كانوا يسهرون معه فى «الساحة» مساء.
كنت مصراً على جمع معلومات عن الحرب، وعرفت أن البطل أنور السادات قرر محو آثار هزيمة عام 1967 بخوض حرب الكرامة ورد الاعتبار واستعادة الأرض التى تحتلها إسرائيل، وتوالت الأخبار من راديو العمدة، ومع أذان المغرب كان الحاج عبدالمعطى يقف فوق سور مسجد القرية يؤذن للصلاة: الله أكبر، ويهرول الأطفال لإبلاغ الأهالى بأذان المغرب لتناول الافطار، أما أنا فى هذا اليوم لم أفطر في البيت، لا أنا ولا باقى التلاميذ، وفضلنا البقاء فى الشارع نهتف الله أكبر بعد أن علمنا من الأخبار التى تواردت من دوار العمدة أن الجيش المصرى عبر قناة السويس، وحطم خط بارليف الذى لا يقهر وكبّد العدو الإسرائيلى هزيمة ثقيلة فى ست ساعات.
حب الاستطلاع لمعرفة أخبار الحرب وعدم وجود وسائل إعلامية فى القرية تمدنا بالمعلومات الا راديو العمدة، جعلنى أتحول الى مراسل حربى وأنا فى أولى اعدادى، عمرى حوالى «12» عاماً، كنت أذهب الى القرية الأم «المراشدة» وكانت وسيلة المواصلات فى ذلك الوقت هى الحمار، وأقوم بربطه فى شجرة الجميز على مقربة من دوار العمدة، وأتسلل الى «الساحة» وهى مقر الحكم فى القرية، كان العمدة قوياً، شديداً، ذا بأس الكل يخافه، ويهابه، كان يرتدى أفخم الثياب، ويضع الطربوش الأحمر فوق رأسه، ويظهر من وجهه الأبيض شارب كثيف، كان عمدة بحق وحقيقى، وله حرس من الغفر، وكمان كان عنده تليفون، يكلم منه المركز، وعندما كان يقرر معاقبة مواطن يأمر بحبسه فى أوضة التليفون، ويقرر بعدها الإفراج عنه، أو يرسله الى مركز الشرطة، كنت أدخل الساحة، و«ألبد» خلف الناس الكبار، واستمع الى الراديو، وأكتب أخبار الحرب فى ورقة، وأعود بالحمار الى القرية الفرعية، أجد جمعاً غفيراً من الناس ينتظروننى على قارعة الطريق، وأقوم بتلاوة نشرة الأخبار عليهم.
النصر كانت له فرحة، كانت الأخبار تتدفق، كم طائرة اسقطناها وكم هدفاً اسرائيلياً دمرناه، وكم أسيرا أودعناه السجون، وكيف عادت سيناء وباقى مدن القناة.. كل يوم أخبار حتى توقفت الحرب، وكانت نتيجتها انتصارا باهرا للقوات المسلحة المصرية استعدنا بها حقوقنا المشروعة، واستعدنا الكرامة والأرض، وسيناء، وعادت مدن القناة بالكامل.
بعد غد الأربعاء «10 رمضان» نحتفل بذكرى جديدة لحرب الكرامة، ونتذكر الزعيم أنور السادات صاحب قرار العبور، وبطل الحرب والسلام، فى هذا اليوم نقرأ الفاتحة على أرواح شهداء القوات المسلحة الذين خاضوا حرب الكرامة، فى «10 رمضان» والذين خاضوا حرب البقاء فى مواجهة الجماعة الإرهابية، الجيش المصرى مازال يواجه الإرهاب فى سيناء، فكما طهرناها من الاستعمار، نطهرها من الارهاب وأهل الشر، لن تكون سيناء الا للمصريين وفى سبيل ذلك يبذل الأبطال جهوداً مضنية، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، اللهم فى هذا الشهر الكريم ارحم شهداء الجيش والشرطة، واجعل النصر حليفنا على أهل الشر.
فى هذه الأيام ترتدى سيناء ثياب العزة والكرامة والفخار فبعد أن تحقق العبور الأول بتحريرها من الاستعمار، على يد السادات، تحقق لها حالياً العبور الثانى من خلال مشروعات التنمية التى ربطتها بالدلتا وهى المشروعات العملاقة التى تحققت فى عهد الرئيس السيسى وبأيدى المصريين.