بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كلمة عدل

إحياء علوم الدين عند «الغزالى»



مازلنا بصحبة الفيلسوف الجليل أبوحامد الغزالى ومن أشهر كتبه، كتاب إحياء علوم الدين أحد أهم الكتب التى ورّثها الغزّالى، وأحد أهمّ الكتب فى موضوع التصوف وعلم الأخلاق، والذى ألّفه خلال رحلة عزلته التى دامت 11 سنة، حيث ابتدأ التأليف به فى القدس، وأنهاه فى دمشق. وكان أبو بكر ابن العربى من أول الجالبين لكتاب الإحياء إلى المغرب العربى.
بعد خوض الغزالى فى علوم الفلسفة والباطنية، عَكَف على قراءة ودراسة علوم الصوفية، وصحب الشيخ الفضل بن محمد الفارمذى (الذى كان مقصدًا للصوفية فى عصره فى نيسابور، وهو تلميذ أبو القاسم القشيري). فتأثر الغزالى بذلك، ولاحظ على نفسه بعده عن حقيقة الإخلاص لله وعن العلوم الحقيقية النافعة فى طريق الآخرة، وشعر أن تدريسه فى النظامية مليء بحب الشهرة والعُجُب والمفاسد، عند ذلك عقد العزم على الخروج من بغداد، يقول عن نفسه:
ثم لاحظت أحوالى، فإذا أنا منغمس فى العلائق، وقد أحدقت بى من الجوانب، ولاحظت أعمالى - وأحسنها التدريس والتعليم - فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة فى طريق الآخرة. ثم تفكرت فى نيتى فى التدريس، فإذا هى غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أنى على شفا جرف هار، وأنى قد أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافى الأحوال.. فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعى الآخرة، قريبًا من ستة أشهر أولها رجب سنة 488 هـ. وفى هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لسانى حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسى أن أدرس يومًا واحدًا تطييبًا لقلوب المختلفة إلى، فكان لا ينطق لسانى بكلمة واحدة ولا أستطيعها البتة. ثم لما أحسست بعجزى، وسقط بالكلية اختيارى، التجأت إلى الله التجاء المضطر الذى لا حيلة له، فأجابنى الذى يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبى الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب.
فكان خروجه من بغداد فى ذى القعدة سنة 488 هـ، وقد ترك أخاه أحمد الغزالى مكانه فى التدريس فى النظامية فى بغداد. وقد خرج إلى الشام قاصدًا الإقامة فيها، مُظهِرًا أنه متّجه إلى مكة للحجّ حذرًا أن يعرف الخليفة فيمنعه من السفر إلى الشام. فوصل دمشق فى نفس العام، ومكث فيها قرابة السنتين لا شغل له إلا العزلة والخلوة، والمجاهدة، اشتغالًا بتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق. فكان يعتكف فى مسجد دمشق، يصعد منارة المسجد طول النهار، ويغلق على نفسه الباب، وكان يكثر الجلوس فى زاوية الشيخ نصر المقدسى فى الجامع الأموى، والمعروفة اليوم بـ «الزاوية الغزالية» نسبةً إليه. بعد ذلك رحل الغزالى إلى القدس واعتكف فى المسجد الأقصى.

وللحديث بقية
رئيس حزب الوفد