خارج السطر
هل كان مصطفى كامل زعيماً وطنياً؟
فى التاريخ.. لا أحكام نهائية ولا مُسلمات راسخة وكثير مما يعتقده البعض ثوابت ليس سوى إطروحات شخصية مرتبطة بتوجه ما.
من هُنا يجب قراءة التاريخ مرة أخرى بروح واعية وناقدة وبمعيار لم يكن مستخدماً من قبل وهو دور السلطة فى رسم التاريخ.
كُنت وما زلت مندهشاً من حجم النفخ الصاخب فى شخصية مصطفى كامل وفى تصويره فى مكانة أكبر كثيراً من حجم أعماله لدرجة تدريسه للطلبة باعتباره زعيماً عظيماً.
كنت أستغرب أن الكتب المدرسية تحتفى بالرجل كل هذا الاحتفاء رغم أنه لم يُشعل ثورة مثلما فعل سعد زغلول ولم يقم ببناء دولة مثلما فعل مصطفى النحاس.
وكان من أسباب دهشتى أن الرجل- مع تقديرى لعظيم ما قام به فى مناهضة الاحتلال البريطانى انطلق فى نضاله من فكرة سخيفة ساذجة ترى عودة مصر كولاية عثمانية مرة أخرى. لم يكن الرجل ذو الثقافة الفرنسية والقدرة البليغة على الخطابة يتصور أن المصريين يجب أن يحكموا أنفسهم.
كان يولى وجهه شطر السلطان العثمانى فى إسطنبول وكان يستمد تشجيعاً ومؤازرة من الخديو عباس حلمى الثاني.
هو مُصلح خطابى ناضل بالكلمة والفكر لكنه لم يغير من سمات المصريين ولم يصنع تطوراً فى فكرهم مثلما حدث فيما بعد على يد لطفى السيد عندما أطلق قبل بضع سنوات من ثورة 1919 صيحته الشهيرة «مصر للمصريين».
وتصورى فإن صناعة الهالة حول الرجل جرت بعد يوليو 1952 بهدف إحداث توازن فى أذهان الناس بين زعماء الوفد بشكل خاص ومناضلين آخرين بما يُغطى على عظائم الوفد ويمثل طرحاً منافساً.
ولم يكن غريباً أن تحشد الدولة المصرية يوم 11 فبراير سنة 1953 كل طاقاتها وإمكانياتها لتقيم أعظم إحتفال بمصطفى كامل بعد وفاته بما يقارب النصف قرن، حيث أعيد نقل جثمانه عبر موكب عسكرى ضخم يتقدمه اللواء محمد نجيب، والبكباشى جمال عبدالناصر، وعبر الموكب شوارع القاهرة وصولا إلى مسجد الكيخيا لتتم الصلاة على جثمانه مرة أخرى ويُنقل إلى الضريح الجديد المقام له بالقلعة.
فى الوقت ذاته، تم إذاعة فيلم عن حياة الزعيم كتبه فتحى رضوان، فى الوقت الى تم فيه بعد ذلك منع كتاب لمصطفى أمين حول أسرار ثورة 1919، وهو ما دفعه إلى إصداره فى الثمانينيات تحت عنوان «الكتاب الممنوع».
لقد حاولت السلطة فى تمييعها للتاريخ أن تختزل سعد زغلول فى ثورة أصروا على وصفها بالفاشلة، وأن يتخذ الخطاب الرسمى موقفاً لا منطقياً من جهاد المصريين مع سعد والنحاس.
إننى بالطبع لا اشكك بوطنية مصطفى كامل لكننى لا أراه زعيماً كبيراً يضاهئون به عرابى أو سعد زغلول أو النحاس. ومعيارى هُنا يستند إلى القيمة والمنهج الذى كان يناضل من خلاله، وهو أن تعود مصر خاضعة لتركيا.
ذلك رأيى الذى هو صواب يحتمل الخطأ. والله دوما أعلم.
«mailto:[email protected]»