بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قلم صدق

الوطن بين الدين والفطرة

من الآفات التي ابتلينا بها في هذا العصر أن يظهر في شبابنا من يخون وطنه، أو أن يظهر من يبيع وطنه لسبب ما، فهؤلاء لا يعلمون أن الوطنية شعور فطري أصّلَ له الإسلام، فباستقراء التراث العربي نجد الجاحظ في رسالة له عنوانها (الحنين إلي الأوطان) يقول: «كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تراب بلدها رملاً وعفراً تستنشقه في الغربة لحظة الحنين إلى وطنه»، فنرى كيف كانت وطنية العربي ومدى حبه لبلده وأرضه.

فالفرق كبير بين عربي يحب تراب وطنه ويحن إليه إلى هذا الحد، وبين شاب يخون بلده ويبيع انتماءه الوطني لمن يدفع. فهذا الزمخشري في كتابه «أسرار البلاغة» يؤكد أن «الوطنية» فطرة تجعل الإنسان يحب «وطنه» ومواطنيه، والقرآن الكريم في العديد من آياته يعبر عن «الوطن» بالديار، بل يرفع منزلة «الوطنية» في نفس الإنسان، فيجعل خروج الإنسان من «وطنه» مساوياً للقتل الذي يُخرج الإنسان من عداد الأحياء، فيقول سبحانه (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم).

وفي كتاب الله إشارات كثيرة يفهم منها أن الحرمان من «الوطن» أو الديار يعادل سفك الدماء والإخراج من الحياة، ففي المواثيق التي أخذها الله على بعض الأمم نتعلم هذا المعنى، إذ يقول عز وجل «وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ...»فإذا كان كتاب الله يجعل الإخراج من الديار أو «الوطن» مساوياً لسفك الدماء، فمعناه أن «الوطن» هو الحياة، ومن خان وطنه فقد باع حياته، ومن باع وطنه بقليل أو كثير فهو في عداد الأموات.

كما نجد كيف أن الإسلام يحترم انتماء الإنسان إلى المكان و«الوطن» الذي شهد ميلاده ونشأته، حيث ميلاده الأول، ولهذا لم يطلب من الذين دخلوا في الإسلام من أبناء الأمم والشعوب الأخرى أن يغيروا نسبتهم إلى بلادهم وأوطانهم، ومازلنا إلى اليوم نذكرهم بأسماء بلادهم وأوطانهم، فنقول: (سلمان الفارسي) و(صهيب الرومي) و(أبوذرالغفارى).. وهذا (تفسير القرطبي) وذاك (الزمخشري)، فالإسلام يحترم العلاقة النفسية بين الإنسان ووطنه، فهي علاقة فطرية إنسانية لا يضحي بها إلا من لوثت الحياة فطرته، ودنست أخلاقه، فباع دينه قبل وطنه في أسواق العبيد «إن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً»، ولقد علمنا الإسلام كيفية الحفاظ على الشباب من سلبيات «الوطن»، وذلك بالعناية بالنشء عناية تتجاوز العقل والجسد وتصل للروح والعقيدة والوجدان، وتنمية الروابط الفطرية فيهم، حيث علاقتهم بالأبوين وعلاقتهم بالبيت الذي نشأوا فيه منذ نعومة أظفارهم.

 ولكي يزداد شعور الإنسان بروابط النسب ويقوي انتماءه به كانت الأنساب في الإسلام من أسباب الميراث «وألو الأرحام بعضهم أولى ببعض..» فعلاقة النسب في الميراث مقدمة على أخوة الدين، وعلاقة الإنسان بوالديه انتماء ضروري تمليه الفطرة ويوجبه الدين، فهو جذر الانتماء، فبيت الإنسان هو وطنه الأول، فمن فقد الانتماء إلى أبويه أو بيته، فمن الصعب أن تجد عنده انتماء أو ولاء لدينه أو وطنه، والإنسان الذي يفقد انتماءه إلى وطنه، أو يتجسس عليه لحساب أعدائه هو الإنسان الذي فقد انتماءه إلى بيته أولاً وفقد مشاعره وحنينه إلى وطنه، فالانتماء للوطن يبدأ من حب البيت والأسرة.