بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

لماذا ينهزم العرب قبل الهزيمة؟

 

من نكسة إلى وكسة يتنطط العقل العربى مُستسيغاً الدّعة، وقابلاً التردى، ومستقبلاً الانهزامية. فى الكرة مثلما هو الحال فى التنمية يحرص العرب على الدفاع والتقهقر ورفض المخاطرة، وذلك خلاصة لعب المنتخبات العربية فى كأس العالم الحالى.

وقراءة المشهد لا تعنى الرياضة وكرة القدم بالدرجة الأولى مثلما تعنى أسلوب التفكير ونُظم التخطيط وسياسات التعامل مع الآخر.

مَن شاهد وتابع أداء المنتخبات العربية فى المونديال، يعى جيداً أن تلك المنتخبات انهزمت قبل الهزائم، وخرجت قبل نقطة البداية بضعف طموحها وقلة آمالها، حتى إن أقصى توقعاتها وأحلام القائمين عليها كان الوصول إلى دور الـ16.

لم يكن غريباً أن تلعب جميع المنتخبات العربية بخطط دفاعية بحتة، تحرص على إضاعة الوقت، وتشتيت الكرة بعيداً عن المهارة واللياقة أو السعى لإحراز أهداف أو تحقيق نصر.

كان معلقو الرياضة يروننا دائماً فى الوراء، فيدعون الله أن يُخطئ المنافس أو يمنحنا الحظ رضاه، فنُحرز أهدافاً بالصدفة ونحقق انتصاراً بدعاء الملايين ورضاهم، ونسوا أن النصر لا يولد مصادفة ولا يتحقق دون جهد وتخطيط وإعداد ورغبة دائمة فى التفوق والتصدر.

الفكرة الحاكمة هى أن النُظم والنخب والشعوب العربية لا تعترف بقدراتها وليس لديها إرادات حية لتحقيق نصر أو مجد حتى على مستوى الرياضة والألعاب، لأنها ضعيفة الثقة فى ذواتها، مستسيغة الانصياع والتبعية، وتعتبر أنفسها ضحية دائمة للمؤامرات الكونية والاستهدافات العالمية.

سكون غريب يلف العقل العربى ويختلط بتراثه ورؤاه وثقافته حتى أبدع أمثالاً وحكماً ترسخ السلبية وتشيع اللأمل من عينة «ليس فى الإمكان أفضل مما كان»، و«ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع». وتصور الناس أن الرضا بالمقسوم والتسليم بالمكتوب يعنى اللا تقدم واللا أمل واللا تخطيط.، وهكذا الحال فى الرياضة والاقتصاد والإبداع والفن والعمل والصراعات السياسية.

ثمة حكاية وثقها مؤخراً فيلم «أحلك ساعة» darkest hour وهو يقدم قصة انتصار الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية. تقول الحكاية إن ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطانى حينذاك كان على وشك الرضوخ لتوصيات الساسة والمسئولين بضرورة عقد اتفاق سلام مع هتلر والتسليم له بما احتلته ألمانيا فى أوروبا، خاصة أن بريطانيا ليس لديها القدرة لمجابهة قوات النازى. ولم يكن الرجل راضياً عن ذلك الفعل الذى يعتبره كسراً للروح البريطانية الساعية دوماً نحو الانتصار، لذا فقد ترك حرسه وموكبه يوماً، وسار مترجلا إلى مترو الأنفاق ليركب إحدى العربات، ويسأل الناس عن رأيها فيما إن كان عليه التسليم لهتلر بما حقق والدخول معه فى اتفاق أم لا، وفوجئ برد فعل الناس غير المسيسين والبعيدين عن المسئولية يرفضون ذلك ويصرون على ضرورة المقاومة والدفاع عن كرامة بلادهم. ورضخ تشرشل للناس موقناً أن إيمانهم بالنصر هو أول مبررات النصر، لذا فقد فاجأ الساسة والبرلمان بإعلانه رفض الاتفاق مع هتلر والمقاومة. وهكذا انتصرت بريطانيا وتخلصت البشرية من مجنون يدعى هتلر.

ويبقى الإيمان بالنصر والتغيير والتقدم ورفض كلمة «مستحيل» هو لُب القضية ومأساة العرب الحقيقية فى جميع مناحى الحياة.

والله أعلم.

[email protected]