الاحتياطى الاستراتيجى للإرهاب
مع البدايات المبكرة لعمرو خالد شاهدته وهو يقدم أحد لقاءاته مع الشباب المفتونين بحركاته التمثيلية وصوته الذى يتهدج ودموعه التى يذرفها بسخاء فيستدر استحسان شباب تخدعه كلمات لها بريق، هاجمت عمرو خالد لأننى خشيت على شبابنا من الاستسلام لهذا الخداع باسم الدين وتوجيه هذا الشباب ليستسلم لخرافات وتهويمات يتعطل معها «العقل»، ويصبح الشباب نتيجة لذلك فريسة سهلة يشكله دعاة التخلف والتعصب ليصبح تابعاً يوجهونه كيف شاءوا.
فى اليوم التالى لنشر المقال تلقيت اتصالاً هاتفياً من عالم دين كبير ربطت بيننا صداقة، طلب منى ألا أهاجم عمرو خالد، صارحته بخطورة ترك مثل هؤلاء ممن يستخدمون قشور العلم ويجيدون التمثيل لاستقطاب الشباب، ورد علىَّ بأنه يوافقنى على أن هذا الشخص لا يملك إلا قشور علم كما ذكرت، لكنه حسب رأى الصديق استطاع أن يجذب أعداداً كبيرة من الشباب، وأن يبعدهم عن طريق الغواية الذى يقع فيه أمثالهم، وهذا يكفى من وجهة نظر صديقى عالم الدين الكبير، ورفضت منطقه لأننى أرى أن هذه الجموع الغفيرة من الشباب إذا استسلمت لطريقة هذا الرجل فإنها تعطل عقلها تماماً وتصبح لقمة سائغة لكل من يريد أن يدعو الشباب للتعصب والتخلف، ظل كل منا على موقفه، وانتهت المكالمة بطلب الصديق أنا أخفف من الهجوم على عمرو خالد.
وخلال فترة وجيزة كانت «ظاهرة» عمرو خالد قد بدأت تجذب الكثيرين، ظهر عدد لا بأس به ممن أطلقوا على أنفسهم مسمى «الدعاة» وكلهم على شاكلة عمرو خالد يرتدون البدل الأنيقة والملابس «الكاجوال» ويحسنون الحركة الرشيقة المشفوعة بابتسامة وصوت يتهدج فى مواضع كثيرة ودموعهم حاضرة -كأفضل الممثلين- تنساب غزيرة عند الحديث عن عذاب النار، وبدا واضحاً أن هذا النمط من «الدعاة» لديه المؤهلات لجذب أعداد هائلة من الشباب المنبهر بعبارات منمقة ينطقونها بطريقة تنافس أفضل الممثلين ليؤثروا على الشباب مع استخدام بعض العبارات المأثورة لفقهاء مشهورين.
فى تقديرى أن كثيراً من الشباب الذين خدعوا وانضموا إلى الجماعات الإرهابية أغلبهم إن لم يكن جميعهم قد خرجوا من رحم مجالس هؤلاء «الدعاة المودرن»، وأنا لا أتهمهم بأنهم فعلوا ذلك أو أنهم -أى عمرو خالد وشركاه- قاموا بتجنيد هؤلاء الشباب لكننى أرى أن عمرو خالد وشركاه تولوا التهيئة النفسية والفكرية لهؤلاء الشباب ليكونوا الرصيد البشرى الاستراتيجى لكل الجماعات الإرهابية، وأظنه ليست مصادفة أن تبرز الجماعات الإرهابية بهذا الحجم الضخم بعد سنوات قليلة من انتشار ظاهرة عمرو خالد وشركاه.
الأمر المؤسف أن بعض المسئولين عن القنوات التليفزيونية تصوروا أن الدعوة لتجديد الخطاب الدينى تعنى أن يكرسوا الساعات لمثل هؤلاء «الدعاة المودرن»، ولهذا تعددت البرامج التى يقدمها أمثال هؤلاء والتى تتعرض لكل حركة صغيرة أو كبيرة فى الحياة اليومية للمواطنين، باعتبار أن الإسلام يحدد لأبنائه كل حركاتهم وسكناتهم وملابسهم ومأكلهم وصمتهم وكلامهم، وأن هؤلاء «الدعاة» التقليديين منهم والمودرن على السواء عندهم القول الفصل فى تحريم أو تحليل كل حركة وكل كلمة وكل تصرف يتصرفه المسلم فى حياته اليومية.
هذه هى الكارثة وهى الباب الواسع لدعاة الإرهاب لتجنيد من تم سلبهم استخدام العقل الذى كرَّم الله به الإنسان.
يا سادة يا كرام.. كل برامج سالبة للعقل ولحرية التفكير بل ولحرية العقيدة تمثل باباً من الأبواب التى يدخل منها دعاة الإرهاب لتجنيد الشباب، ومن هذه البرامج برامج تفسير الأحلام والفتاوى التى تقحم الإسلام فى كل صغيرة وكبيرة فى حياة المسلم اليومية، وبرامج العلاج بالقرآن وغيرها من البرامج التى تعطل العقل.