أحمد سعيد .. المقاتل والإنسان
صمت الصوت الذى زلزل عروشاً عربية تعاونت مع قوى الاحتلال الأجنبى، والذى اعتبرته قوى العدوان الثلاثى الإنجليزى، الفرنسى، الصهيونى، هدف غاراتها الجوية الأول يوم عدوانها على مصر.
صمت الصوت الذى اعتبرته الشعوب العربية قوتها الضاربة التى تتصدى لأى عدوان على أى أرض عربية.
صمت الصوت المقاتل، صوت أحمد سعيد الذى طارد بضراوة قوى الاحتلال الأجنبى لأى أرض عربية ومحاولة تسلل القوة الأمريكية الساعية لترث هذا الاحتلال وتحقق الهيمنة والسيطرة على الثروات والمقدرات العربية بمعاونة متواطئين من أبناء الأمة العربية.
رحل أحمد سعيد فى يوم شعر فيه بالانكسار منذ أكثر من 50 عاماً، يوم الهزيمة القاسية فى الخامس من يونيو عام 1967 وكأنه برحيله فى هذا اليوم يرفض أن يواصل الحياة فى ظروف عربية أقرب ما تكون إلى الظروف التى حدثت فيها الهزيمة القاسية.
أيام الهزيمة الثقيلة كان لأحمد سعيد موقف يمثل قمة الاحترام للنفس بعد أن تأكدت أخبار الهزيمة تقرر أن تنفصل موجات الإذاعات المختلفة، البرنامج العام وصوت العرب والشعب وأن تعود البرامج العادية لتهدئة مشاعر الجماهير الغاضبة، فإعادة بناء القوات المسلحة يحتاج بضع سنين وليس من المنطقى أن تبقى الجماهير فى حالة توتر طوال هذه السنوات.
فى اجتماع ضم القيادات العليا بالإذاعة والتليفزيون، أبلغ الأستاذ محمد فايق وزير الإعلام هذا التوجيه للمجتمعين، أحمد سعيد رفض بحسم أن يلتزم بخطاب تهدئة لأن هذا الموقف يتناقض مع قناعاته بضرورة إبقاء الجماهير فى حالة تأهب، وقال بوضوح إنه عاهد الجماهير العربية أن يواصل الحشد ضد كل قوى العدوان ولن يخون وعده لمستمعيه الذين وثقوا فيه، ورفض أحمد سعيد عرضاً بأن يحصل على إجازة لفترة حتى يستوعب الموقف لكنه أصر على موقفه.
وعندما بدأ صوت العرب بثه المستقل، انطلق أحمد سعيد كعادته بخطاب تعبئة وحشد للجماهير لتواصل المعركة وعندما روجع ليعدل موقفه قدم استقالته وترك الإذاعة.
واليوم يبدو أن أحمد سعيد رأى أن الأمة العربية تواجه عدواناً أكثر عنفاً وخطراً من العدوان الثلاثى وجدد نفسه وهو طريح الفراش وقد تمكن منه المرض فآثر أن يغادر دنيانا فى يوم يشبه اليوم الذى غادر فيه الإذاعة.
أحمد سعيد «المذيع الظاهرة» حالة إعلامية خاصة تحتاج إلى دراسة موضوعية، أما تأثيره فلا يستطيع مؤرخ منصف أن يتجاهل دوره بالغ الأهمية فى حشد الجماهير العربية وإثارة حماسها حتى تمكنت من انتزاع استقلالها.
يبقى أن أسجل أن أحمد سعيد من أشرف وأنبل الأشخاص، وشهادتى غير مجروحة لأننى كثيراً ما اختطفت مع أحمد سعيد منذ البدايات المبكرة لصوت العرب، فلم أكمل بضعة شهور حتى تم نقلى من صوت العرب لخلافات فى الرؤى وهو المدير المسئول وأنا مجرد مذيع جديد.. ثم عدت إلى صوت العرب بطلب من أحمد سعيد بعد خروجى من سجن قضى فيه سبعة شهور ثم اختلفنا مرة أخرى وتركت صوت العرب وبعد فترة عدت إلى صوت العرب عندما ضاعف ساعات بثه بطلب من أحمد سعيد أيضاً.. هذه العلاقة تكشف عن نقاء وصدق أحمد سعيد ومواقفه الإنسانية النبيلة والراقية أكثر من أن أحصيها..
أخى العزيز أحمد إذا افتقدنا صوتك المقاتل فسيترك العطرة ستبقى فى ذاكرتنا.