أوراق مسافرة
أبحث عن وجهه الضائع! (3)
لو صرخ أحدهم فى وجهك «إنت ظالم» أرجوك لا تغضب.. ولا تنطلق كالمدفع للدفاع عن نفسك، بل توقف أمام جملته كثيراً وتأملها، فمؤكد أن ظلمته.. بقصد أو دون قصد أياً كان هذا الحق، وتأكد أن من يواجهك بظلمك لا يكرهك ولا يريد أن يكرهك، وبجملته يطالبك بإنقاذ نفسك دنيا قبل الآخرة، فويل لو قبضت روحك وأنت ظالماً، فبجانب تحول المظلوم لقنبلة موقوتة تنفجر فى أى لحظة لتدمر الغالى والنفيس، فهناك الله من قبل والذى أقسم بنصرة المظلوم على الظالم فى قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تُرْفَعُ فَوْقَ الْغَمَامِ، فَيَنْظُرُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ فَيَقُولُ : وَعِزَّتِى وَجَلَالِى لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»، فأرجوك.. راجع نفسك وأعد إليه حقه وإن لم تستطع عوضه عنه حتى يرضى لتنقذ نفسك.
ما أبحث عنه يا سادة هو وجه العدل، فقد ضاع أو شاهت معالمه «إلا قليلا»، فانتشر الحقد والكراهية والشر بكل أشكاله، فعندما يخول لك بالفض بين المتنازعين هل تحكم بالعدل المطلق، ولا تنظر لمركز هذا أو سلطة ونفوذ هذا، هل تتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها، وهل تعجل بحكم العدل أم ترجئه تحت أى علة.. أو تعلم أن بطء العدالة ظلم، انتظار الضحية أو المجنى عليه أعواماً ليحصل على حكم يقتص له ويعيد حقه مادياً أو معنوياً ..فهذا أميل للظلم، وعندما يصبر أهل القتيل أعواماً حتى يصدر لهم حكم رادع على القاتل.. وعندما يظل الإرهابيون يتمتعون بالحياة خلف القضبان، فيما أرواح الشهداء ضحايا إرهابهم هائمة تطالب بالثأر، وعندما تنتظر حاضنة ومطلقة أعواماً لتحصل على نفقتها، فتموت جوعاً أو تعرف طريق الانحراف لتجد قوتها وقوت أطفالها، وعندما تسرق أموال الدولة وينتظر الشعب أعواماً عودة هذه الأموال.. كل هذا يا سادة.. طول حبال التقاضى نوع من الظلم.
وإذا ولاك الله فى منصب، وكنت متحكماً فى بعض «خلق الله» هل تعدل بينهم، هل تمنح المجتهد حقه وتعاقب المهمل المتكاسل بما يستحقه، أم تقرب المنافقين وتعليهم قدراً حتى لو كانوا فشلة ولصوصاً ومنتفعين، وتبعد وتهمش الشرفاء المجتهدين لأنهم لا يتقربون إليك زلفى، وإذا رزقك الله بأولاد فهل تعدل بينهم ولو فى «القبلة»؟ تأكد لو عدلت ستحل البركة والسعادة فى المنزل ويحب الأبناء بعضهم بعضاً، فالتفرقة بين الأبناء يشعل الفتنة والكراهية، لو كنت بائعا أو تاجرا أو حتى رجل أعمال، هل تعدل وتوفى فى الكيل والميزان وفى أموال الآخرين، ولا تنتقص من حق الناس شيئاً، انتقاص الحق ينشر البغضاء والحقد، ويدفع الأفراد للانتقام.
فليسأل كل نفسه «هل أنا عادل» مع الناس، وعادل قبل ذلك مع الله ..نعم الإنسان يكون ظالماً لربه حين لا يوفيه حقه من الطاعة والعبادة ويرتكن للمعصية أو يسكت عن الحق، والإنسان يكون ظالماً لنفسه إذا ترك نفسه فريسة لرئيس له أو لحاكم ظالم، لو سألنا أنفسنا «هل أنا عادل» ستكون الإجابة صادمة..! لقد وردت كلمة العدل فى كل الأديان السماوية ووردت كلمة العدل فى القرآن 29 مرة وتم ذكر الظلم ومشتقاته والتنفير منه فى القرآن 289 مرة للدلالة عن أهمية العدل وخطورة الظلم، وقال سبحانه {ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون}، بغياب العدل تهيمن شريعة الغابة وتتسيد الأحقاد و الكراهية.. وللحديث بقية