بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

ابحثوا معى عنها (2)

وقفت أمامها وكلى خجل ظاهرى مختلط بالغضب السرى منها وهى توبخنى بقسوة وتردد على كلمات كثيرة، ولم تصمت إلا حين أقسمت لها إنى سأفعل غدًا ولن أنسى، عدت لغرفتى وأنا أتأمل هذا الشىء التافه، والتى نلت عليه ما نلت من توبيخ بعد أن رأته أمى فى يدى، واستصغرت الأمر وأنا أدسة فى جيب حقيبتى القماش التى صنتعها أمى من نفس قماش «مريلة» المدرسة، فالحقائب الجلد كانت من نصيب إخوتى الأكبر فأنا ما زلت فى الإبتدائى وهم فى الإعدادى، فى صبيحة اليوم التالى كنت أقدم خطوة وأوخر الأخرى وأنا أدلف إلى المكتبة حيث مشرفتها «أبلة» عزة التى تعرفنى جيدًا لكثرة زياراتى لقراءة قصص «المكتبة الخضراء»، وأخيرًا انتصرت على خجلى مع تذكرى كلمات أمى النارية ووعدى لها، وأخرجته من حقيبتى «نصف قلم رصاص» وقد تم تثبيت غطاء قلم جاف مكان استيكته ليكسبه طولاً، وأخبرت «الأبلة» حقيقة عثورى عليه فى «حوش» المدرسة، فقد كانت مشرفة المكتبة بمثابة ضابط الأمن الذى يتسلم أى شىء نعثر عليه بالفصل أو الحوش لتبحث هى عن صاحبه، شكرتنى «أبل» عزة ومررت يدها على جانب وجهى وهى تبتسم ابتسامة لا أنساها وقالت: «ربنا يبارك فيكى وفى والديكى».

شعرت إنى أطير من الفرحة، وأعطيت أمى الحق فيما قالته لى، طالما وجدت شيئًا فى مكان يمكن العثور فيه على صاحبه فلأسلمه للمسئولين، أما إذا عثرت على شىء فى الشارع، فالشرطة تتولى أمره، حديث أمى عن الأمانة والإنسان الأمين الذى لا يضيع عنده مال أو عرض أو، وقتها لم أفهم معظم ما قالته، ولكنى فهمت إن هذا القلم مهمها كان تافهًا، فقد يكون صاحبه بحاجة إليه، وأن رد الأمانات لها ثواب عظيم عند الله فقد حملها الله للجبال وأبت وحملها الإنسان، لأنه جدير بحملها، ومنذ هذا اليوم يا سادة كلما عثرت على أى شىء ولو «زرار مريلة أو قميص» هرولت لتسليمه للمعنيين بالأمر، وتعلمت أكثر عندما ابتلانا الله بتلميذة «لصة» كانت تسرق أشياء صغيرة من حقائبنا أثناء «الفسحة» وحين كشفتها المشرفة بتفتيش جيوب مريلتها وحقيبتها، لا يمكن أن أصف لكم مشهد الغزى على وجهها ودموعها التى لم تتوقف، وتوقفت هى بعدها عن المجىء للمدرسة وأعتقد تم فصلها أو انتقلت هربًا من عارها لمدرسة أخرى، وتأكد لى مع فقدانى بعض أشيائى الصغيرة أنه من المؤلم جدًا أن يسرق منك شيء، أو يقتنص منك شيء غصب عنك مادى أو معنوى، أدركت من خلال أمى وأبى أن الأمانة كنز.. إذا ضاعت ضاع المجتمع، واليوم أبحث عنها معكم، عن هذا الخُلق العَظيم الذى تحلى به نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة وبعدها، وحثّ الناس عليها، الأمانة لا تقتصر على حفظ أو رد شىء لصاحبه، بل هى أشمل، حقوق الله تعالى فى العبادة أمانة، وحقوق الخلق أمانة، جسد الإنسان أمانةٌ لديه، والزوجة.. الأولاد أمانة، مالنا ومال الدولة أمانة، أداء العمل كما يجب أمانة وكل هذه الأمانات سنحاسب عليها أمام الله وسندفع الثمن غاليا فى الدنيا مع إضاعتنا لها.

للأسف.. ما عدنا نستأمن أحداً على مال إلا طمع فيه وضيعه، وعلى عمل إلا أفشله وأفسده، وعلى حتى على سر إلا وأفشاه، ما عاد الآباء أمناء على تربية اولادهم على الخلق والتدين لانشغالهم بجمع المال ومفاتن الدنيا، وما عاد الأولاد أمناء على أدوارهم فى المذاكرة الجادة والنجاح وبناء المستقبل، وما عاد أى فى مهنته أمينا عليها يؤديها بما يرضى الله، الأمانة تعفّف عمّا لا حق لنا فيه، تأدية حقوق الله والآخرين دون نقصان، ويقول سبحانه عن عباده المؤمنين: (وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون)، فمن يجدها يخبرنى.. وللحديث بقية.

[email protected] com