بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

كيف نشكر بطل مصر؟

الرجل هو الأسلوب كما يقول بوفون، والذين أحسنوا دائمًا يدفعون الثمن.

 فى بلادى أصفار لامعة، وزعماء وهميون، وانتهازيون وسماسرة وكذبة يدّعون البطولة. أما الذين أحسنوا، وأخلصوا، وضحوا فلا وجود لهم تحت دوائر الضوء، ومنسيون دائماً.

هل قدر الأنقياء أن يدفعوا الثمن، بينما يربح الجبناء ثمار الثورات والانتصارات كما يقول نجيب محفوظ؟

عن وطنى جميل كسر حدود الخوف، واخترق سياج الرهبة، وخاطر وغامر بحياته ومستقبله وأسرته من أجل وطن يُحبه أكتب لكم. اسمه عبدالقادر حلمى وهو عالم صواريخ قارب السبعين عامًا قضى ثلثها سجينًا فى أمريكا لأنه ضلع فى عملية أسود الكربون، إحدى مفاخرنا الاستخباراتية التى تؤكد أننا قادرون على مواجهة أقوى الأجهزة وأعظم العقول.

فى نهاية السبعينيات بدأت العملية حين سافر عبدالقادر حلمى إلى كندا للعمل بإحدى شركات أنظمة الدفع الصاروخى، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة. تابع الرجل أبحاث تطوير الصواريخ وأمد مصر بمعلومات وافية عنها.

وفى سنة 1988 قرر المشير عبدالحليم أبوغزالة وزير الدفاع تطوير أنظمة الصواريخ المصرية، والتى لم يكن مداها يزيد على 350 كم وشكل مجموعة عمل من القوات المسلحة والمخابرات العامة لنقل أحدث تكنولوجيات الصواريخ من أمريكا.

ونجح عبدالقادر حلمى فى تهريب 450 رطلًا من مادة الكربون الأسود التى يمكن طلاء الصواريخ بها حتى لا تتمكن صواريخ باتريوت من رصدها وتم ذلك على دفعتين، قبل أن تكتشف «السى أى إيه» العميل المصرى وشبكته وتلقى القبض عليه وتقدمه للمحاكمة.

فى ذلك الوقت، كان الدكتور محمد مرسى الرئيس المخلوع أحد معارف عبدالقادر حلمى والتقاه عدة مرات، وأثار ذلك احتمال قيامه بالوشى به إلى الأجهزة الأمريكية وهو ما يتم نظره بالفعل فى الوقت الحالى من قبل القضاء المصرى.

المهم أن الرجل تعرض لحكم بالسجن المشدد 25 عاماً، وصودرت جميع ممتلكاته، وألحقت أسرته بإحدى دور الرعاية الاجتماعية، بينما تلقى المشير أبوغزالة جزاء سنمار حيث لم تمر بضعة أيام على القضية، حتى أقاله مبارك بذكاء ثعلب.

استقر الحال بمبارك عقدين من الزمن بعد تخلصه من أكبر منافس له، وعاد محمد مرسى ليصبح كادرًا مرموقًا فى تنظيم الإخوان المسلمين، ثُم اعتلى حُكم البلاد بعد اضطرابات وفوضى ومساندة أمريكية، بينما ظل عبدالقادر حلمى فى سجنه لا يشكو ولا يطلب أجرأ ولا ينتظر جزاء أو شكوراً.

خمسة وعشرون عامًا احتجازاً. غربة. وحشة. ألماً من أجل مصر وأمنها وقوتها واستقرارها، بينما يناضل الخائبون على الشاشات، ويعلو الهتيفة والمصفقون وأصحاب الميكرفونات، ويتقدم التوافه والمطبلاتية الساحة.

لقد آن الأوان أن نشكُر الرجل على ما اقترفت يداه. أن نقول له إن مصر لا تنكر جميلًا ولا تنسى مُضحياً. أن نُكرمه بشكل يليق، وأن نحاول تعويضه عن ضريبة دفعها ثابتًا راضيًا مفتخراً. قصوا لأولادكم حكايته وأخبروهم بأن مصر ولادة.

والله أعلم.

[email protected] com