خارج السطر
بلادى مازالت رائعة
بين شكوى وشكوى طابور من الشكائين البكائين الذين يندبون حظوظهم، ويلعنون زمانهم، وينفرون من وطنهم إما لسوء الحال، وضعف المال، أو لتراجع الأمل فى تحسن بلد نام قام شعبه بانتفاضة لدفعه للأمام، ففوجئوا به يرجع إلى الخلف.
خُنق البوح، وتأخر الغيث، واستهلك الناس فى معارك سطحية، وجرجروا نحو أسئلة الغيب والماضى والتاريخ، ولمع التوافه والكذبة وعلا أهل النفاق. سُلسل المواطن بهموم لا حصر لها وأعباء بلا نهايات نتيجة موجات قاسية من الغلاء، وصارت العلامة رقم 88 علامة مميزة لوجوه المصريين.
قتلت حوادث الإرهاب البسمة، واغتال مشهد الجنازات ضحكة الصبية، وجددت الدمعة إقامتها فى مآقى الناس. خوت الحياة السياسية من أى حراك حقيقى، وشوهت كثير من الرموز، وطاردت الأجهزة فلول الساسة من ناصريين ويساريين وليبراليين بتهمة التأخون، وصار الصوت الواحد حاكماً ومسيطراً ومهيمناً.
رغم كُل هذا مازالت مصر هى الأروع والأجمل والأطيب والأنقى والأفضل...
مازال صوت الآذان يُجلجل فى شوارعها وأزقتها مُردداً اسم الخالق الأحد الذى يُغير ولا يتغير. مازالت أجراس الكنائس تبث الطمأنينة والشعور بالأمان كلما دقت. مازالت المرأة المصرية صلبة، قوية، راسمة الأمل بثبات وثقة وعزيمة. مازال الفلاحون يضربون بعزم فى الأرض حرثاً. ما أنفك المُبدعون يسرحون بخيالهم إلى البعيد البعيد، وظلوا قادرين على صناعة الدهشة والمتعة. بقيت الروح الطيبة فى نفوس شباب نُبلاء يدفعون سيارة مُتعطلة أو يتركون مقاعدهم فى المواصلات لمسنين أو نساء. ما برحت حقوق الجيرة وصلة الرحم واتباع الجنازات وأداء الواجب راسخة فى نفوس المجتمع. دامت القدرة على السخرية، والتنكيت حتى طالت الوجع المُنتشر بين الناس. استمر الصبر قريناً بالغلابة والمُبتلين وظل الرضا ومطلب الستر والصحة رأس الخيمة فى حيوات المصريين.
لم تفقد مصر بريقها، جمالها، روعتها. أهلوها هُم الجمال الحقيقى، صحيح فيهم الصالح والطالح، ومنهم الطامح والباطح، لكنهم نماذج إنسانية مُحيرة ومُبدعة وخلاقة. حتى أولئك الموغلون فى القُبح، تخيلوا الحياة دون قبحهم. كيف نحس بالجمال إن لم نرى القبح؟
كيف نشعر بجمال وعظمة وقيمة نجيب محفوظ، وأم كلثوم، وتوفيق الحكيم، وبليغ حمدى، وصلاح عبدالصبور، وليلى مراد، ومحمود مختار، وأحمد زويل، وأمل دنقل، وطه حسين، ومحمد عبدالوهاب، وأحمد زكى، ومجدى يعقوب، ومحمد صلاح إن لم يكن لدينا ريا وسكينة، وحمزة البسيونى، ونجيب الهلباوى، وإبراهيم الغربى، والخُط، وسين وصادر وعين فى زماننا؟
لا يُزعجك القبح، ولا يثنيك انسداد الأفق عن وضع قراءتك للمستقبل. سيكون مثلما تقرأه، فأنت فاعل رئيسى مهما ظننت أنك مفعول به.
مازالت مصر رائعة. أقسم لكم.
والله أعلم.