خارج السطر
أخطر من هشام عشماوى
انقلاب الحال مُثير لانتباه مَن يقرأ ويُفكر ويُحلل، وهذا ما تقدمه قصة هشام عشماوى المقاتل ضد وطنه والخائن لقسم بلاده.
سألت نفسى: كيف تغير الحال بضابط صاعقة مصرى مُهمته حماية الوطن وأمنه إلى قاتل بغيض ينثر الفزع شرقاً وغرباً؟ كيف تبدلت اليد البيضاء الداعمة والمجاهدة إلى ذراع أسود يصنع الموت دون حساب! كيف صار الدرع خنجراً مسموماً! وانقلب سياج الأمان إلى سيارة مفخخة؟ وتحول البر إلى شر؟ وتغيرت المحبة إلى شلالات من الكراهية!
كان هشام عشماوى ضابط صاعقة من أكفأ الضباط، وحاز تفوقاً مُلفتاً فى دورات تدريب فى أمريكا، وشهد له عارفوه بالحنكة والمهارة والتميز. ما الذى دفعه ليُكفّر ويقتل وينشر الخراب ويتحول إلى لُغم مُخيف؟ ما هو الذى نكش تلك الرأس الجُهنمية لتتحول إلى أداة قهر ومُسدس خيانة وسيف عدو؟
الاجابة واحدة: الفكر. الكلمات، والآراء. العبارات التى صاغها مُفكرون وكتبة فى حجرات هادئة، وبأعصاب باردة. لابد لهشام عشماوى المنتمى إلى طبقة وسطى عليا مُتعلمة أن يكون قد تذاكر أحكام سيد قطب القاطعة بجاهلية المجتمع. لابد أنه اقتنع بما خطه المودودى من ضرورة محاربة مَن لا يُطبق شريعة الاسلام. ربما قرأ عمر عبدالرحمن، وربما اقتنع بكتاب الفريضة الغائبة لعبدالسلام فرج، وربما استمع لشيوخ التسلفُن الذين يرون كُل مَن هو غير مُسلم حلال الدم.
فى مدينة نصر حيث الرقى الظاهر والاعتدال البادى نشأ هشام عشماوى فى أسرة ميسورة الحال، لا فقر ولا جهل. تزوج أستاذة فى الجامعة، وتعلم اللغات الأجنبية. لم يضل فجأة، وإنما تنامى فكره الإرهابى بهدوء فى ظل عصر السماوات المفتوحة والأفكار الطائرة. لم يذهب للأزهر ولم يقرأ كتابات رجال نحسبهم علماء ونسميهم شيوخاً، وإنما انساق خلف أئمة القتل ورضى بهم وعنهم.
ما نستخلصه هو أن الارهاب ليس هو الخطر الذى نواجهه، وإنما الأخطر منه مفرخة الارهاب فى الفكر والقول والفتاوى. إن عشماوى قتيل لا محالة إما مُطارداً أو خاضعاً لحكم الاعدام قصاصاً على جرائمه. وكل الارهابيين الذين يروعون المجتمع سيقضون حتفهم، لأن مصر أقوى وأصلب وأحد من أن تقهرها عصابات وميليشيات إرهاب. لكن الفكر باق، والكلام لا يُمحى، والذين يسمون أنفسهم شيوخاً وعلماء لم ينجحوا فى وأد وهج التطرف والعنف، ولم يقدموا بعد الردود الشافية والأحكام النهائية لقنّبلة الاسلام وتثويره.
بين كُل كلمة وكلمة رصاصة غدر، ومن حسن البنا إلى البغدادى ثمة مَن يطلق العبارات الغامضة المُلتبسة طلباً لأنصار جُدد. الجنة تحت أزيز الرصاص، والله بعثنا بالفزع، والموت هو حُكم كُل مَن لا يقف مع المؤمنين الصالحين، وكُل مخالف لشرع الله كافر ومرتد.
هكذا يصطاد الإرهاب رجاله. كلما سقط إرهابيون، ولد آخرون. المفرخة تُنتج كل يوم، ولن يحاسب الله رجال الدولة وحدهم إن قصروا، وإنما العلماء ورجال الدعوة هُم المسئولون عن الرد، والإيضاح، ودحض الفكر، والأهم من كُل ذلك كسب الناس.
تلك هى حجر الزاوية فى الحرب على الإرهاب.
والله أعلم.