الدكاكين الإعلامية
فى دنيا الأعمال تختلف الأوضاع بين صاحب رأس مال يملك شركات ومؤسسات كبرى، وبين صاحب «دكان» فى حارة أو زقاق. رجل الأعمال فى الحالة الأولى تخضع قراراته لمعايير وأساليب مستقرة فى عالم الإدارة لتحقيق النجاح لمؤسساته. وفى الحالة الثانية «حالة الدكاكين» يخضع الأمر كله إلى مزاج «صاحب الدكان»، فيستطيع أن يغلق الدكان متى يريد وأن يستخدم العمالة التى يستريح لها، وأن يطرد من يستثقل ظله، ولا أحد يستطيع أن يحاسبه، فالمحل محله والبضاعة بضاعته وليس لأحد أن يتدخل فى اختياراته أو فى أسلوب إدارته لـ«دكانه».
هذا الحديث عن «الدكاكين» ليس بعيد الصلة عن حالة الإعلام الخاص فى مصر، خاصة الفضائيات، فقد أنشأ بعض رجال الأعمال فضائياتهم الخاصة واعتبروها «دكاكين» إعلامية وليست مؤسسات إعلامية!
الفرق شاسع بين مؤسسة تحكمها نظم إدارة علمية ومستقرة وبين «دكاكين» تخضع إدارتها لمزاج حضرة صاحب الدكان! وهذه هى المشكلة الحقيقية التى دمرت الإعلام فى مصر، أتحدث عن الإعلام المرئى والمسموع، عندما اعتبر بعض مالكى الفضائيات، أن «الإعلام» مجرد سلعة كباقى السلع يمكن أن يعرضها فى «دكان» يختار له إدارة وعاملين حسب مزاج سيادته، ويستطيع أن يطردهم أو يستبدلهم بمن يشاء وقتما يشاء.
من هنا حرصت الدول المتقدمة على أن تضع القوانين والتشريعات التى تمنع «صاحب» المؤسسة الإعلامية من التدخل فى إدارة هذه المؤسسة أو التدخل بأى صورة من الصور فى المحتوى الذى تقدمه؛ لأن هذا المحتوى ليس «سلعة» من حق صاحب الدكان أن يقدمها أو يعرضها بالطريقة التى يريدها، بل إن الإعلام نشاط يؤثر تأثيراً خطيراً فى المجتمع. من هنا يجب أن تعامل المؤسسات الإعلامية معاملة المؤسسات التى يخضع نشاطها لتشريعات تحفظ للمجتمع حقه فى ألا يتعرض للأذى من نشاط تمارسه هذه المؤسسات، وأن يضمن المجتمع «سلامة» المنتج الذى تقدمه هذه المؤسسات. وأن يضمن حقه فى ألا تجنح هذه المؤسسات لتقديم «منتج» يصيب المجتمع بالضرر.
التشريعات فى هذه الدول المحترمة حرصت على أن يتولى «إدارة» وتقديم «المنتج» الإعلامى إدارة مستقلة تماماً عن مالك المؤسسة الإعلامية.
أحدث مظاهر «الدكاكين» الإعلامية البيان الذى أصدره السيد محمد أبوالعينين، صاحب قنوات صدى البلد والذى أكد فيه «بالفم المليان» رفضه قرارات أصدرتها نقابة الإعلاميين بوقف أحد مقدمى البرامج قال الرجل، بكل وضوح واستناداً إلى «قوة رأس المال» وغياب تشريعات واضحة، إنه لن ينفذ هذه القرارات.
ولست هنا فى مجال الحكم على صواب أو خطأ قرار النقابة، لكننى فقط أرصد الظاهرة التى تؤكد أن المؤسسات الإعلامية فى مصر ليست أكثر من «دكاكين» إعلامية.