خارج السطر
القاهرة لغز التفرد
المُدن كالنساء، مدينة تختطفك وأخرى تُدهشك، وثالثة تسحرك. مدينة تأسرك وأخرى تستوحش وأنت تجول بين طرقاتها.
القاهرة معشوقنى رغم ضجيجها، وعشوائياتها، وتكدساتها، وتكسيرات شوارعها. جميلة بروحها الممتدة عبر قرون شاهدة على انتصارات وانكسارات، وثوار وخونة، وطيبون وجبابرة. مُدهشة بتناقضاتها وغرائبها وعزائم ومعجزات أبنائها. مُبهرة بمآذنها وقبابها ومقاهيها وحواريها، وبواباتها القديمة.
تلك مدينة كما يقول الشاعر سعد العبدلى «لُغز». فرغم أنك «ستتعب حتى تجد أى سحر فيها، ستجردك هى من قدرة الرحيل. والناس فيها لا يجيدون شيئاً أفضل من البقاء ملتصقين بها كالأطفال».
يحسب البعض أنها ستتوارى، تغيب، تخفت، تنطفئ بعد ميلاد العاصمة الجديدة. لا تظُن ولا تتوقع ولا تنتظر. تولد المُدن مثلما تولد الأنظمة واعدة، ترسم سياج الأمان وتبعث بشائر البهجة. تحتفى السلطات والأبواق بها وتنقل إليها كُل شىء. المؤسسات، والهيئات ومقار الخدمات الرئيسية. تسحب الأبسطة رويدًا إلى حيث المقر الجديد، والتجمع الجديد، والأبنية الأحدث.
العاصمة الجديدة مشروع عملاق، نقلة حضارية، تحول استراتيجى. شىء عظيم أن تبنى فى ظل فقر وأزمات وحروب مع الإرهاب، شىء أعظم أن تُحسن تنظيم وتخطيط منشآتك الجديدة، لكن كُل هذا لا يعنى إهمال القاهرة. العاصمة الأم. روح التاريخ. الحُضن الأوسع. بيت الناس الطيبين، تجمع العلامات الإبداعية الفارقة فى الفن والأدب والعلوم.
التاريخ يقول إن المُدن الأصيلة لا تموت. مُدن التحضر ليست كمُدن الملح. بيوت الألق ليست كحوائط الأسمنت والقصدير. عبق الماضى يفوح فى سماوات القاهرة، دمشق، اسطنبول، بغداد والجزائر. يسحر الألباب ويُبهر الأنظار ويسمو بالأرواح فوق فيروسات القُبح والجمال المُصطنع.
لا أحب المراهنات، لكننى أراهن على أن العاصمة الجديدة ستُنعش قلب القاهرة. ستزيدها ألقًا وروعة، ستتجمل وستتسع وستكبر. المُدن لا تأكل بعضها البعض. لا تزيح مدينة جديدة مدينة أخرى من الخريطة. لم تطرد بغداد بعد تأسيسها دمشق من خريطة الحضارة والجمال. ظلت دمشق بسحرها حاضرة رغم انتقال أصحاب الحظوة والنفوذ والمؤامرات إلى العاصمة الجديدة لدولة الخلافة الاسلامية. وفى تركيا لم تقتل أنقرة اسطنبول. بهرت اسطنبول القاصى والدانى بجمالها وسحرها وروعة مبانيها الشرق غربية. وفى ألمانيا لم تُطفئ بون برلين، وعادت برلين بعد سنوات من الاغتراب عاصمة لألمانيا.
العاصمة الجديدة خير، لكن من المهم أن تبقى القاهرة العاصمة الرسمية. فيها ما فيها من مشكلات ونقائص، لكنها مدينة خالدة لا تفنى ولا تُهجر.
تبقى سحرًا شعبيًا، وكتابًا تاريخياً، وعبقًا وألقًا وجمالاً لا ينفد.
والله أعلم.