أوراق مسافرة
الحب قبل تحية العلم «3»
عندما تضرب ابنك فى صغره، وتقسو عليه كثيراً اعتقاداً أنك تنشئه على طاعتك واحترامك، قد لا تدرك حينها أنك تربى بداخله الخوف من الخطأ علانية، ورغبة دفينة فى الانتقام الخفى من كل شيء بسبب طفولته المنتهكة وكرامته المهدرة، وأيضاً الرغبة فى ارتكاب الأخطاء سراً، وعندما يكبر، ستحصد ابناً عاقاً لا يطيع لك أمراً وقد كسر طوق الخوف منك، وسقط عنه قناع الاحترام، وقبل هذا وذاك لن ينشأ ابنك على حبك أو الشعور بالانتماء إليك والرغبة فى إسعادك، وسيجد أول فرصة للابتعاد عنك، سواء بقى فى بلده أو ساعده حظه للسفر بعيداً عنك، وعندها لن يسأل عنك أو حتى يحزن لموتك، لأنك ربيته على الخوف والكراهية الخوف قد يخلق طاعة مؤقتة ومشروطة ببقاء الظرف، وتنتهى الطاعة بانتهاء ظرف الخوف، الخوف لن يخلق الشعور بالاحترام أو الحب أو الانتماء الحقيقى.
أما إذا ربيت طفلك على الحب، وسياسة الثواب لا العقاب، وأن تتعامل مع أخطائه بحسم التصويب لا بالضرب والإهانة، سينشأ ملتصقاً بك، يلتمس الصواب من توجيهاتك، يحترمك ولا يعصى لك أمراً، وعندما يكبر ستجد ابناً باراً يحزن لألمك، يقف بجانبك، يبذل كل ما بوسعه لإسعادك وسيرحمك فى كبرك، وما يقال عن هذه المنهجية السلبية أو نقيضها الإيجابية فى تربيتنا لأبنائنا، يقال عن تربيتهم على حب الوطن والانتماء إليه، فى أوروبا، يتعاملون مع الأطفال بحب وذكاء لغرس حب الوطن فى نفوسهم، بتعليمهم منذ الصغر حب ممتلكات الوطن والخوف عليها، فالمدرسة وما تحتويه من أثاث وأدوات خاصة بالتعليم، تعد من ممتلكات الوطن، ونظافة الشوارع العامة، وعدم القاء القمامة بعيداً عن صناديقها يعد احتراماً لممتلكات الوطن، الحفاظ على نظافة وسائل النقل العامة وعدم إتلافها خوفاً على ممتلكات الوطن، وتعويدهم على احترام الأنظمة التى تنظم شؤون الوطن وتحافظ على حقوق المواطنين وعلى تسيير شؤونهم، وتنشئتهم على حب التقيد بالنظام والعمل به، بث الوعى لديهم بتاريخ وطنهم وإنجازاته، وتثقيفهم بالأهمية الجغرافية والاقتصادية للوطن، بنقل المفاهيم الوطنية لهم من خلال قصص بسيطة ومثيرة ترسخ فى أذهانهم، وتربيتهم على حب الآخرين وتقديم العون لهم، فتجد الأم مثلاً تصحب أطفالها لجمع الملابس واللعب القديمة من المنزل وغسلها وتغليفها لتقديمها كمساعدات للفقراء، وتعويدهم على حب العمل المشترك، وحب الإنفاق على المحتاجين، وحب التفاهم والتعاون والتكافل والألفة، ونشر حب المناسبات الوطنية الهادفة والمشاركة فيها والتفاعل معها، إنهم يعلمون أولادهم المفهوم الواقعى للانتماء بعيداً عن الشعارات البراقة والأناشيد الحماسية أو مجرد الوقوف لتحية العلم.
وللحديث بقية.