على فكرة
الملك السعودى فى الكرملين
لم يعد يخفى على أحد أن السعودية تتغير، وأنها تعدو بخطى حثيثة واثقة، وبإرادة سياسية واعية نحو التصالح مع مقتضيات العصر، بالتحديث على المستوى الداخلى الذى بات فى السنوات القليلة الأخيرة يطلق طاقات المجتمع السعودى ويحررها من القيود التى كانت تعرقل سيره نحو المستقبل من جانب، وإعادة صياغة علاقاتها الخارجية على المستوى الدولى من جانب آخر، على قاعدة تعزيز المصالح المشتركة بينها وبين دول العالم، وتنويع تلك العلاقات بشكل يؤدى إلى التوازن فى سياستها الخارجية، الذى كان قد أخل به التحالف المنفرد مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أثبتت التجارب أن سياسة واشنطن تجاه المملكة بشكل خاص والمنطقة بشكل عام أضحت حافلة بالشكوك وعدم الاطمئنان لا سيما فى ملفى مكافحة الإرهاب والتمدد الإيرانى الطامح إلى تغيير جغرافيا المنطقة.
ولا شك أن رياح هذا التغيير سوف تنعكس ايجابيا ليس فقط على مصالح السعودية، بل كذلك على مصالح المنطقة التى تعد المملكة لاعباً رئيسياً فى أحداثها.
وعلى أعتاب الاستعدادات التى تجرى فى موسكو للاحتفال بالعيد المئوى للثورة السوفيتية، بدأ الملك سلمان زيارته التاريخية لروسيا، وبرغم أنه زار موسكو قبل نحو عشر سنوات حين كان أميراً للرياض، إلا أن زيارته الراهنة تعد الأولى من نوعها لملك سعودى على الرغم من أن العلاقات بين البلدين تعود لأكثر من تسعين عاما.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية قصوى من طبيعة الملفات المطروحة على مائدة البحث بين البلدين، فهى تأتى قبل نحو شهر من اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك، وبعد التعاون المشترك بين موسكو والرياض فى السنتين الاخيرتين لضبط الإيقاع فى أسعار النفط فى الأسواق العالمية منعا لتدهورها وسعياً لاستقرارها، وهو ما أسفر عن النجاح مؤخراً فى تعديل سعر برميل النفط من 28 دولاراً إلى ستين دولاراً.
وفى هذا السياق يعد على رأس جدول أعمال الزيارة بحث تطوير التعاون المشترك بين البلدين فى مجال الطاقة والغاز والتكنولوجيا الحديثة، وإطلاق أقمار فضائية مشتركة لتطوير تكنولوجيا الاتصالات وفى مجالات التبادل الثقافى، فضلا عن تذليل العقبات أمام تدفق السياحة السعودية إلى روسيا بفتح مجالات الطيران المباشر المغلقة بين موسكو والرياض لخدمة الاقتصاد السعودى من ناحية، ولتسهيل حج المسلمين الروس– فى روسيا 28 مليون مسلم– وتشجيع الزيارات السياحية الروسية للمملكة من ناحية ثانية.
زيارة الملك سلمان لموسكو تأكيد لمن تنقصه الأدلة أن المملكة لن تقف مكتوفة الأيدى أمام التحديات المفروضة عليها فى ملفات المنطقة الشائكة، وأنها لن تقبل بسياسات فرض الأمر الواقع الضارة بمصالحها، وأنها توسع من نطاق حلفائها و تبحث عن المشترك بينها وبين روسيا الاتحادية لحماية هذه المصالح. فمسكو والرياض تتفقان بشأن القضية الفلسطينية على حل الدولتين على حدود يونيو 1967 طبقا لقرار الأمم المتحدة، وبخلاف بعض التفاصيل، غدت رؤية الدولتين لحل المشكلة السورية متقاربة، وهما تسعيان لتنسيق أمنى مشترك لمكافحة ظاهرة الإرهاب بعد أن تكشفت مشاركة أعداد من الروس والسعوديين فى صفوف منظمة داعش الإرهابية.
لعبت السعودية دورا فى تسهيل انضمام روسيا كعضو مراقب فى منظمة التعاون الإسلامى، وتقود الآن تحالفاً عربياً لمحاصرة الدور المخرب للدول التى تدعم الإرهاب وتموله فى المنطقة وتأمل فى هذه الزيارة من جذب الدعم الروسى لجهودها فى هذا الإطار، فضلا عن اقناع الطرف الروسىى ببذل جهده لمنع إيران من استمرار سياستها الخطرة التى قادت المنطقة إلى صراعات طائفية ومذهبية مدمرة ترفع من وتيرة الإرهاب، وكبح جموحها النهم للسيطرة على العراق وسوريا ولبنان واليمن جرياً وراء أوهام طموحها الأمبراطوري.
الاستقبال الأسطورى للملك سلمان فى الكرملين وزيارة بوتين المتوقعة للسعودية، يطوى صفحات مظلمة فى سجل العلاقة بين الدولتين، وهكذا تثبت رياح التغيير قدرتها على جذب ما كان خيالاً إلى أرض الواقع.