"الصين"... الشريك الأكثر أهمية!
يتساءل الكثيرون لماذا هذا الاهتمام والترحيب الواضح بالصين وعلاقتنا بها ؛ وكيف أصبحت أكبر قوة تجارية في العالم، متجاوزة بذلك الولايات المتحدة الأمريكية. والسر يكمن فى صعود الصين في العقود الثلاثة الأخيرة كقوة اقتصادية سجّل ناتجها القومي الإجمالي نمواً سنوياً بلغ 8.38% فيما يعد العامل البشري أحد أهم العوامل التقليدية المؤثرة في قوة الدولة؛ وهذا العامل الذى يعد أحد أسباب أذمتنا التنموية ..والحقيقة ان التجربة الصينية أيضا تميزت في عملية صنع القرار السياسي فهي تنتهج دبلوماسية هادفة الى تحقيق جملة من الأهداف الأساسية على رأسها صيانة السلم العالمي، ضمان أمن الدولة، تعزيز التنمية الاقتصادية المشتركة، وتحمل المسئولية الدولية الحقيقية، فضلاً عن اتباعها استراتيجية تهدف من خلالها الى بناء نظام دولي متعدد الأقطاب؛ وهذا ما جعلها حريصة على التواجد فى العديد من المنظمات الدولية والإقليمية كمنظمة الأمم المتحدة، منظمة التجارة العالمية، مجموعة العشرين، مجموعة بريكس، منظمة شنغهاي.
ولعل التغير الحادث فى البنية الهيكلية للنظام الدولي قد حرر الحركة السياسية الخارجية للصين من جملة قيود وفتح أمامها فرصاً كي تتعامل مع جملة قضايا كانت تعد سابقاً حكراً على القوتين العظميين.وتطور العلاقات الصينية الإقليمية والدولية؛ فالصين أقامت علاقات صداقة وحسن جوار مع الدول المحيطة بها إذ تبنّت مبدأ الاعتماد على النفس بدلاً من مبدأ السعي وراء العدو واللحاق به .
وعلى الرغم من أن العلاقات العربية – الصينية مرت بمراحل متعرجة سلبية أكثر منها إيجابية في القرن العشرين، إلا أنه مع بداية القرن الواحد والعشرين تطورت العلاقات وبخاصة في النواحي الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتبادلت بعض الدول العربية العلاقات الدبلوماسية مع جمهورية الصين. وأثناء مناقشات الأمم المتحدة للقضية الفلسطينية عامي 1947-1948 اتخذت الصين موقفاً محايداً حين امتنعت عن التصويت على مشروع قرار تقسيم فلسطين وطالبت بتسوية تفاوضية بين العرب واليهود.
وفى الحقيقة أن الصين بتوثيقها للعلاقات مع العرب كان من شأن ذلك دعم حركات التحرر في العالم الثالث وأضعف قوى الاستعمار الغربي. لذا فإن بعض الدول العربية رأت في الصين شريكاً استراتيجياً مهماً، ولقد لجأت مصر للصين لكسر احتكار السلاح بعد رفض أمريكا بيع السلاح لها، ما أعقب ذلك اعتراف مصر بالصين الشعبية عام 1956 وتبادل العلاقات الدبلوماسية معها..أما بالنسبة لثورات “الربيع العربي”، فلم يبدِ صانعو السياسة الصينية حماساً كبيراً تجاهها واتضح ذلك من خلال النشاط الكبير لوسائل الإعلام الصينية في تصوير الأحداث التي وقعت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا بصورة سلبية للغاية منذ بداية الثورات.ومن المعروف أن الإصلاح فى الصين بدأ مع عهد ماو تسي تونج، الذي لجأ الى سياسة الإصلاح الزراعي والاجتماعي، ووضع الصين على الطريق الصحيح للنهضة والتقدم في بيئتها الداخلية ومحيطها الإقليمي والدولي متبعا استراتيجية “عصفور القفص” وفحواها أن أي سياسة تتبعها وأي اتجاه تتحرك فيه لا بد أن لا تخرج عن نطاقه الاشتراكي.ثم جاء الرئيس دينج شياو بينج الذي لم يسلك خطة سلفه وتمكن بإصلاحه وانفتاحه من تحويل الصين من بلد زراعي فقير الى دولة صناعية غنية، انتقل فيها من الاقتصاد المخطط الشمولي الى اقتصاد السوق الاشتراكي ذي الخصائص الصينية كخطوة أولى، مركزاً على التنمية وزيادة ثروات المواطنين.
وفى الحقيقة أن تراجع المتغير الأيديولوجي الذي تمسكت به الصين سنين طويلة في مسيرة التنمية الوطنية الشاملة لم يكن محض صدفة، فالصين لم تتجه لتبنّي النهج البراجماتي والإصلاح والانفتاح، لأنها ترفض الاشتراكية بصفة عامة بل اتجهت إلى الإصلاح لإعادة تصحيح المنهج الخاص بالتطبيق الاشتراكي بهدف تحقيق التحديث. وبعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء عصر الثنائية القطبية ، وتغيّر البنى الهيكلية للنظام الدولي، برزت الصين كقوة اقتصادية تمتلك أكبر احتياطي نقدي في العالم، اذ وصل الى ما يزيد عن أربعة تريليونات دولار، فضلاً عن نموها المتزايد في مجالات الحروب الإلكترونية والفضاء وامتلاكها مقومات جغرافية تاريخية وانتاجها لكل شيء وبأرخص الأسعار.