أوراق مسافرة
طرق تدفع لنا..!
طفل فى العاشرة يعتلى كتفَى آخر مثله، ليصل الأول إلى نصف النخلة، ويتسلق جزءا آخر منها، يضرب الفروع، تتساقط ثمار «الرطب جنياً» على الأرض متناثرة، يهبط الولد ويسرع مع صاحبه فى جمع ما تساقط.. كل فى جلبابه المتسخ، يهرعان إلى ثالث تحت نخلة أخرى يفعل ما يفعلانه، ولكن بمفرده لأن طول النخلة القصيرة بفروعها المثمرة فى متناول يده، أكوام من البلح الشهى امتلكها الأطفال الثلاثة من صف النخيل الممتد على طول الطريق المؤدى من مدخل «الشيخ زايد واحد» بالقاهرة، استوقفنى المشهد فوقفت أراقبه بضع دقائق فى انتظار ظهور حارس أو أى من أصحاب هذا النخيل المنهوب، ليدافع عنه، ولكن بلا جدوى، حمل الأولاد غنيمتهم واختفوا فى أمان دون أى خوف أو تردد، والمثير أن المشهد تكرر يومياً.
سألت وعلمت أن النخيل تمت زراعته من قبل جهاز المدينة أو من بعض ملاك الأراضى، وتركوها مشاعاً دون رعاية أو حتى الاستفادة المالية منها ليحصدها الرائح والغادى، أعجبتنى الفكرة ورأيت فيها جانباً خيرياً لوجه الله، بجانب الشكل الجمالى والدور البيئى فى الحفاظ على المساحات الخضراء وتنقية الجو، المثير فى الأمر أنى شاهدت مثل نخيل البلح هذا على طول طريق القاهرة الإسماعيلية والعكس على غرار باقى طرق أخرى تربط بين مدننا وقرانا، رأيت النخيل المشاع ممتد تقريباً على طول الطريق خاصة فى مداخل مدينتى القاهرة والإسماعيلية.
وقررت تقليد ما شاهدته من الأطفال فى زايد، كانت المفاجأة أن البلح بهذا النخيل المتعدد الرائع المشهد بلح فاسد.. عطب وجاف، ومن نخلة لأخرى نفس الحصاد الفاسد للأسف، وذهب تعبى ومرافقى سدى بسبب عدم صلاحية البلح للاستهلاك، وعلمت أيضا أن أصحاب الأراضى يزرعون النخيل كمشهد جمالى فقط أو لحماية أطراف الأرض وتسويرها بصورة طبيعة، ولا يستفيدون مادياً من ثمارها، ولا يهتمون بتطعيم جماره أو رعايته زراعياً، وبالتالى تموت الثمار على فروعها بلا أدنى فائدة مالية، والسبب إما الكسل وعدم الاهتمام أو لأن جنى البلح فى عرفهم وبيعه غير مجدٍ بالنسبة للوقت والجهد، وهذا تصور أعتبره خاطئاً، فخسر أصحاب الأراضى والدولة إن كانت الدولة هى المالكة للأرض، خسروا مئات الآلاف بل الملايين بسبب إهمالهم هذا النخيل، وإهمالهم الاستفادة من زراعة مساحات الأراضى الممتدة على الطريق والفواصل التى يستخدمون فها أشجاراً ونباتات عديمة القيمة تماماً دون أدنى تفكير فى زراعتها بأشجار ونباتات نافعه تدر دخلاً اقتصادياً، والاستفادة من المياه الجوفية بهذه الأراضى.
ذهاباً وعودة على الطرق المؤدية لمحافظات مصر ندفع «الكارتة» من خمسة فأكثر تذهب لحساب خدمات الطرق والتأمينات للسيارات، حقاً معظم الطرق تم تجديدها «كتر خير رجالنا بالمؤسسة العسكرية» إلا أنها لا تزال مظلمة، تفتقر لنقاط التأمين والمرور وكاميرات المراقبة، للوقاية من الحوادث، والعلة كلها تتركز فى عجز الدولة عن توفير موازنة ملائمة لتحسين هذه الخدمات، فهل فكرنا فى تحويل هذه الطرق إلى منتجة اقتصاديا بزراعتها أشجاراً ونخيلاً لها قيمة اقتصادية لتدفع لنا الطرق من حصادها لا ندفع نحن لها، فهناك مثلاً أشجار «النيم»، التى تنمو فى جميع أنواع التربة تقريبا، وهى أشجار تحسن خصوبة التربة ولديها أكثر من 100 من المركبات الحيوية النشطة الفريدة من نوعها، تستخدم فى رعاية الصحة العامة للإنسان، وصحة الحيوان، وحتى فى أدوية تنظيم الخصوبة البشرية «منع الحمل» وبذورها تدخل فى صناعات مختلفة.. وللحديث بقية.