الطريق إلى اليونسكو
ليس لهذا الموضوع أى علاقة من قريب أو بعيد بالحديث عن ترشح السفيرة مشيرة خطاب لمنصب مدير اليونسكو، وإن كان فى التحليل النهائى يشير إلى بعض الدلالات على ما قد يبدو من مفارقات فى مواقف مصر تتطلب التأمل فيها والنظر إليها بإمعان.
فأنا من سكان مدينة أكتوبر، يأخذنى الطريق أحيانا للسير فى طريق جديد هو أقرب إلى الصحراوى منه إلى المدينة العامرة، ينقلك من صخب ميدان الحصرى بالمدينة – النسخة غير المعدلة لنظيره ميدان العتبة فى القاهرة حيث الجلبة والفوضى والزحام غير الطبيعى بالبشر بما يفوق أعلى كثافة سكانية على وجه الأرض – إلى الشعور بأنك تسير فى الصحراء الشرقية أو الغربية.. لا يهم.
ينتهى بى الطريق بحركة جانبية إلى المرور على نادى صيد اكتوبر. قبيل هذه النهاية يلمح المار على يساره مبنى يجذب ناظريه من رونقه وبهائه. مشهد يذكرنى بمفتتح «مدن الملح» رائعة عبد الرحمن منيف حين يقول: «إنه وادى العيون» فى إشارة لمفارقة العثور على الحياة وسط الموات، العثور على واحة ماء وسط صحراء قاحلة، العثور على إنسان على سطح كوكب المشترى أو زحل!
كثيرا ما فكرت فى الذهاب بدافع الفضول لمعرفة ماهية هذا المبنى ولمن يكون؟ وبضغط من هذا الفضول الذى هو طابع الصحفى، قررت مرة أن أكمل السير لمعرفة الأمر، لفت نظرى وجود ضابط شرطة وكشك حراسة صغير فى مكان قصى، وعندما اقتربت أكثر اكتشفت أنه مبنى تابع لمنظمة اليونسكو. انتابنى الذهول.. معقول مبنى منظمة عالمية على هذا النحو من الأهمية يقبع فى صحراء اكتوبر حيث لا زرع ولا ماء؟ كانت صدمتى أكبر حينما قررت أن أتابع التفاصيل فدخلت على شبكة الإنترنت وعلمت أن المبنى تم افتتاحه أوائل هذا العام وأنه المقر الإقليمى لليونسكو.. تخيل.. المقر الإقليمى.. أى لا يزوره وفود دولية فقط وإنما إقليمية ومن كل حدب وصوب، وهو مبنى على هذا الأساس لا يعبر عن مصر فقط وإنما عن العرب أجمعين.
لم تكن دهشتى تتمثل فى السؤال: هل ضاقت الدنيا على المسئول عن الأمر فلم يجد أى مكان يخصصه للمقر سوى هذا المكان التعيس، حيث يبدو أن المكان مخطط لأن يكون تجمعا عمرانيا متميزا، حيث يوجد حوله أغلى وأرقى مجموعة «كمبوندات» فى المحروسة، وإن كان لا يبدو منها سوى اليافطات وسط الرمال الساخنة.
ورغم أن تساؤلى يبقى مشروعا، وإنما كان مثار الدهشة السؤال حول ألم يكن من الأفضل وقد استقر الأمر على هذا المكان أن يتم تمهيد الوصول إليه بطريق مميز يشرح صدر الزائر وهو غالبا من الأجانب وليس المصريين الذين اعتادوا على الشقاء، وتوفير بيئة عمرانية ولو على مستوى الشكل تناسب طبيعة الجهة وبما يعزز فكرة استضافة مصر لها رغم أن هناك دولا عربية عديدة يمكن أن تقوم على الأمر وبشكل أفضل منا ألف مرة؟ مما يزيد من دهشتك المتواصلة أن تسعى مصر لترؤس تلك المنظمة رغم بخلها الشديد عليها فى توفير مقر مناسب وإقليمي!!
المسألة ليست شكلية كما قد يتصور البعض، وإنما جزء من سياسة تسويق الذات أمام العالم. فكيف نريد أن يختارنا العالم رئيسا للمنظمة ونحن لا نريد أن نقدم حتى قطعة أرض ومقرا متميزين؟ فضلا عن أن اليونسكو من المنظمات التى تحتاج مصر إلى دعمها الكبير فى مختلف الأنشطة الثقافية والحفاظ على التراث والذى هو فى مصر أكثر من الهم على القلب بفضل الله. يذكرنى ذلك بأزمة مقر اتحاد الكرة الإفريقى والتى أثيرت فى الأيام الأخيرة لرحيل عيسى حياتو من منصبه، والحديث الذى تردد عن انتقال المقر من مصر إلى أثيوبيا. إن تلك الأمور تدخل فى عداد ما نسميه قوة مصر الناعمة، وإذا كانت ظروف عديدة أدت إلى تراجعنا على مستويات عدة، فلا تجعلوا سوء الإدارة ومنطق «الأستخسار» يجعلنا نفقد المزيد من عملية التآكل فى هذه القوة؟ ورغم ذلك أتمنى من كل قلبى أن تفوز مصر برئاسة المنظمة، وهو أمر لو تم فسيكون بفضل الله وليس بفضلنا على الإطلاق!