بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

من غير زعل.. بلا لحوم «25»..!

فوق السطح كان يلهو بعد أن فككت الحبل من ساقه - خلسة دون إذن أمى - والمثبت فى وتر حديدى بأحد الجدران، انتابتنى مشاعر إنسانية حياله قبل ساعات من نهاية عمره بأن أجعله حرًا، وأن نمارس لعبتنا معه بتحويله من كبش بقرنين إلى ثور هائج، نلوح أمامه بقطعة قماش حمراء، فيثور ويهجم علينا دون أذى وكأنه يجارينا اللعب وتمثيلية صراع الثيران، ويلف ويدور حولنا، ونحن نضحك من قلوبنا، وعندما يهدنا التعب نجلس بالقرب منه ونتنافس أينا سيلتقم طعامه من يديه، هل البرسيم من يدى أم حبات الفول من يد شقيقى الأصغر، فقد كنت أخاف ملمس فمه وهو يداعب كفى التقاما لحبات الفول.. ونسيت أن أعيد رباطه وغادرنا السطح استعدادًا لأول أيام العيد الذى كانت بهجته تملأ الدنيا، صف من «الرقاق» موضوع فى مشهد شهى على رخامة المطبخ فى انتظار الصينية باللحم المفروم، أرغفة من الخبز محمصة تنبعث منها رائحة لا تقاوم فى انتظار «الفتة باللحم والثوم» الكل فى انتظار لحم «الخروف» صبيحة الغد، طقوس خاصة رغم ان اللحم وقتها كان فى متناول كل الأسر المصرية المتوسطة الحال كأسرتنا، وأيضًا متواضعة الحال، فقد كانت الأسعار «رخيصة» واللحوم «البلدى» متوافرة فى مزارعنا المترامية، وتنافس اللحوم المستوردة بالجمعيات، والتى لم يكن يقبل عليها إلا القليل جدًا فقد كانت الثقة فى اللحوم المحلية كبيرة وكانت وفرتها وأسعارها «المهاودة جدًا» تنافس أى مستورد.

وفجأة ونحن على أطراف النوم بعد منتصف الليل، نهضنا مذعورين على صوت صرخات فى الشارع ودق عنيف على بابنا، هرع ابى لاستطلاع الأمر، وكانت الصدمة «انتحر الكبش» قفز من بلكونة سطح الطابق الثانى ليتحول إلى جثة، شعور عميق بالذنب انتابنى، أنا التى فككت وثاقه رغم درايتى بشقاوته، ورغم ان مصيره واحد وهو الموت فى الحالتين ومفارقتنا وترك ذكريات حميمة بأنفسنا شأن الذكريات التى يتركها كل عام «خروف العيد»، إلا أن مقتله آلمنى وكان يعنى حرماننا من الأضحية، وحرمان أسر فقيرة بعينها كانت تعتاد إرسال اللحم إليها.

لم يستجب أبى للأصوات التى نصحته بذبحه وهو فى أنفاسه الأخيرة، وقال إن الأضحية شرطها أن تكون معافاة سليمة، لم يغادرنى شعورى بالذنب وأبى وأشقائى يتخلصون منه فى أقرب مقلب للقمامة، وكانت المفاجأة الأخرى، اشترى أبى صبيحة العيد خروفًا آخر ولكن أصغر حجمًا، للوفاء بالأضحية وإسعادنا، كان أبى وهو المراقب بالسكة الحديد قبل ترقيته مفتشًا راتبه يكفى الزوجة وسبعة أبناء فى مراحل تعليم مختلفة حتى تخرجنا من الجامعات ونحن مستورون لا نشعر بضائقة فقر، وكان راتبه يكفى لأن يشترى اللحم والدجاج والسمك أسبوعيا لنا بجانب الفاكهة، وكان يكفى ليشترى أضحية جيدة، بل وتعويضها على غرار ما حدث.

الآن أصحاب الأسرة متوسطة الحال لا تجد وهى من أربعة أفراد فقط ما يكفيها نفقات حتى نصف الشهر، لا لحوم ولا دواجن ولا أسماك توفيرا للمدارس والدروس، ثمن الخروف يبدأ من 3500 والعجل من 15 ألفًا إلى 27 ألفًا، أنا نفسى رغم مركزى وسنوات خدمتى اشتركت فى جمعية «لتدبير ثمن الأضحية»، كثيرون شاركوا فى صكوك، وكثيرون لن يتذوقوا لحمًا فى العيد، ضاعت البركة واصيبت الأسعار باللوثة.. تقلص الرعى وتصحرت المراعى..العيد غالبًا سيكون بلا لحم لدى كثيرين.. رغم هذا كل عام وأنتم جميعا بألف خير.

[email protected]