جريمة مهنية
يتعرض المجتمع لمخاطر رهيبة نتيجة ممارسات لا تخضع للعقوبات التى تنص عليها القوانين العامة، وأعنى بهذه الممارسات المهنية العديد من الممارسات التى تنتهك القواعد والمعايير المهنية، خاصة فى مهن تؤثر تأثيراً خطيراً فى المجتمع.
وتعنينى هنا مهنة الإعلام التى تصل بعض الممارسات التى تنتهك القواعد المحورية فى مهنة الإعلام، والتى تتجاوز درجة الخطأ لتصبح «جريمة مهنية» بكل ما يعنيه وصف الجريمة من آثار مدمرة على المجتمع.
«الجريمة المهنية» التى أعنيها هى الخلط المتعمد بين «الإعلام» و«الإعلان» سواء بتسريب مادة إعلانية من خلال خطاب إعلامى أو تجاهل أخطار أو فساد وعدم التعرض له مراعاة لعقود إعلانية مع من يمارس هذا الفساد بأى صورة من صوره.
ولهذا حرصت القواعد والمواثيق الإعلامية على الفصل الحاسم وبكل صرامة بين المادة الإعلانية بكل صورها وبين الخطاب الإعلامى.
وكان طبيعياً أن يطبق هذا الفصل الصارم بين الإعلان والإعلام على من يمارس هذه المهن، لأن السماح لمن يجلب الإعلان بتقديم خطاب إعلامى أو العكس أى السماح لمن يقدم خطاباً إعلامياً بأن يجلب إعلانات، السماح بهذا أو ذاك، يعنى بكل وضوح السماح بارتكاب جريمة مهنية مؤكدة، فالأمر المؤكد فى مثل هذه الحالات أن الخطاب الإعلامى لهذا الشخص، سواء كان مذيعاً يجلب الإعلانات أو جالب إعلانات يعمل مذيعاً، الخطاب الإعلامى لمثل هؤلاء الأشخاص لا يمكن أن يخلو من «جرائم مهنية» مؤكدة سواء بتسريب إعلانات تحت غطاء خطاب إعلامى أو يحجب معلومات تلحق أضرار بالمجتمع وتمس مصالح صاحب الإعلان الذى اشترى الولاء الشخصى لجالب الإعلان الذى يقدم البرامج.
هذه بديهية يعرفها كل من له أدنى معرفة بمهنة الإعلام المحترمة، ومناسبة ذكرها الآن ما سبق ونشرته عن برامج «توك شو» يتم الإعداد هذه الأيام لبثها على شاشات تليفزيون الدولة.
إذا صحت المعلومات المسربة من أن من سيتولى تقديم هذه البرامج حصل على الموافقة على تقديم البرامج بعد أن قدم عقوداً لإعلانات مع عدد من الشركات، إن صحت المعلومة، وهى صحيحة فى الغالب، فمعنى هذا أن الهيئة الوطنية للإعلام التى وافقت على هذا المقترح، تصبح شريكاً أصيلاً فى ارتكاب جريمة مهنية مؤكدة.
وتزداد المفارقة غرابة عندما تكون هذه الهيئة قد أنشئت لإنقاذ إعلام الدولة المرئى والمسموع من الانهيار المهنى فإذا بها تبدأ بارتكاب أبشع الجرائم المهنية.
وإذا برر البعض الموافقة على مثل هذه الجريمة بالأزمة المالية الخانقة التى يعانى منها إعلام الدولة فالنتائج المدمرة لهذه الجريمة المهنية أخطر آلاف المرات من أى كسب مادى محتمل.
ورغم ذلك فإذا أراد البعض أن يغلب منطق الكسب المادى فلا أقل من أن يتم التعاقد مع أصحاب هذه البرامج على تقاضى العائد المادى بنسبة من الإعلانات التى يجلبونها دون الارتباط بأى مكافآت ثابتة، فآلاف التجارب السابقة تم فيها تفعيل الإعلانات لبعض الوقت ثم ينسحب المعلن ويتحمل التليفزيون بعد ذلك الأعباء المالية الباهظة المتمثلة فى أجور مقدم البرنامج ومعاونيه.
ولأننى أعرف أن اللجنة تضم عدداً من زملاء وزميلات المهنة، فمازلت آمل أن يربأ هؤلاء بأنفسهم عن المشاركة فى الموافقة على المشاركة فى هذه الجريمة المهنية، فإذا رأى باقى الأعضاء ممن لا يدركون خطورة إهدار القيم والمعايير المهنية، إذا رأى هؤلاء التصويت لتمرير "الجريمة" فلا أقل من أن يسجل الأعضاء أبناء المهنة اعتراضهم وتحفظهم فى محضر الاجتماع إبراءً للذمة.