بدون رتوش
أمة مهيضة الجناح..؟
تراجعت الأولويات الاستراتيجية فى الأمة العربية لا سيما تلك التى تتعلق مباشرة بالأمن القومى. غيب العرب عن عمد الصراع مع إسرائيل بوصفه الصراع الوجودى لا سيما مع ممارسات الكيان الصهيونى فى المنطقة وأجندته التوسعية لتحقيق الدولة التى تمتد من الفرات إلى النيل بحيث يصبح لها الهيمنة على كل الوطن العربى من الخليج إلى المحيط.ولهذا رأينا كيف أن إسرائيل قد سعت إلى تفتيت دول المنطقة عبر مخطط أمريكا الجهنمى الذى استغل ما سمى بثورات الربيع العربى لنشر الارهاب فى مفاصل الدول العربية والاسلامية لخلق واقع جديد على الأرض أدى إلى تراجع القضية الفلسطينية عن أن تكون قضية محورية بالنسبة للعرب.وفى المقابل ظهرت مؤشرات تعكس امكانية تقارب عربى مع إسرائيل ليصبح العدو التاريخى والاستراتيجى للأمة العربية صديقا بل حليفا ضد عدو مشترك هو إيران!!.
إنه المخطط الذى عمدت أمريكا جاهدة على تحقيقه عبر تحركاتها فى المنطقة حيث شكل الغزو الأمريكى للعراق 2003 نقطة البدء فيه بهدف محاصرة دول المنطقة توطئة لتجزئتها وتحويلها إلى كيانات ممزقة لا حول لها ولا قوة. ليصب هذا فى مصلحة أمريكا وإسرائيل الحليف الأبدى لها. وهو أمر لم تخفه أمريكا، بل على العكس جاهرت به عندما خرج كولن باول وزير الخارجية وقتئذ ليقول: (دخلنا العراق لتكون منطلقا لنا نحو دول المنطقة لاعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بشكل يعزز مصالح أمريكا وحلفائها)، وهى الدعوة التى كانت عنوانا لمشروع ما سمى بالشرق الأوسط الكبير الذى يخدم المصالح الاسرائيلية العليا.
إنه الشرق الأوسط الكبير حيث يبنى أحد مرتكزاته على أن يصبح هناك تقارب بين الكيانات العربية الجديدة وإسرائيل على أساس فرضية زائفة تقول بأن اسرائيل لم تعد تصنف كعدو للعرب بعد أن استبدل الصراع فى الشرق الأوسط من صراع عربى اسرائيلى إلى صراع عربى ايرانى، بحيث يتم التعامل مع إيران بأنها العدو المشترك لكل من إسرائيل والعرب ارتكازا على نبتة الصراع السنى الشيعى بوصفه الحاكم للتفاعلات الاقليمية، وبالتالى يتم اخراج إسرائيل من حلبة العداء لتصبح حليفا جديدا للعرب. وهو ما رأينا بعض ملامحه الآن خاصة فى أعقاب الزيارة التى قام بها ترامب للرياض فى مايو الماضى، بل وتجلت ملامحه من خلال الأزمة القطرية الراهنة وأدوار الأطراف المشاركة فيها، ومطالبتها لقطر بقطع العلاقات مع إيران، وهو ما يعنى ضمنا احلال إيران كعدو راع للارهاب، وهو ما يصب بالايجاب فى صالح إسرائيل بما يحقق لها هدفها الرامى إلى فتح الطريق أمام التقارب العربى معها بعد اخراجها من دائرة العدو ليصبح الهدف المشترك لكليهما هو محاربة ايران وبترها، وليصبح التحالف العربى الاسرائيلى ضرورة يتعين تحقيقها دون ابطاء وليصبح المحرم حلالا والحلال محرماً.
أما ما ساعد على تمرير المخطط فهو حالة العرب التى تدعو إلى الرثاء، فلقد ظهروا مرتبكين متخبطين عصفت بهم صراعاتهم الداخلية، ومكائدهم ضد بعضهم البعض، بالاضافة إلى طوفان الارهاب الذى سلط عليهم والمؤامرات التى حاصرتهم. إنه سوء الطالع وضربة القدر التى تحول معها المجتمع العربى إلى مسلسل جهنمى له بداية وليس له نهاية.إنها مرحلة انعدام الوزن، وفى ظلها يصبح خطاب الحقيقة وحده هو طوق الانقاذ من براثن المجهول، ولكن هل هناك من يجرؤ على الاقتراب من منطقة الحقائق...؟