بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

كل هذا الجمال فى واحة الغروب

 

تأخذنا المخرجة المبدعة كاملة أبو ذكرى فى  مسلسل «واحة الغروب» إلى عالم مشرع على السحر والجمال والغموض والتنوع  الثقافى الذى يربط بفطنة واقتدار بين وقائع التاريخ وبين واقع اللحظة الراهنة، بإقامته جدلا خصبا  ناضجا  بين الشرق والغرب، بين الغاصب والمغتصب والقامع والمقموع، ليثبت بجلاء أن المستعمر المحتل هو أصل البلاء ومصدر كل الشرور.

المسلسل المأخوذ عن رواية بهاء طاهر وكتب السيناريو والحوار له كل من مريم ناعوم وهالة الزغندى ، تدور أحداثه، فى أعقاب فشل الثورة العرابية، حيث تنكل  سلطات الاحتلال البريطانى بالضباط المتعاطفين مع «عرابى» وفى سياق حملات العقاب والتنكيل تقرر نقل ضابط البوليس محمود عبدالظاهر- خالد النبوى - المتعاطف مع العرابيين إلى واحة سيوة فى الصحراء الغربية مأمورا لها، بعد أن  اضطر اثناء التحقيق معه  لوصم الثوار بالعصاة والخارجين على القانون، لكى ينجو من الموت. يدخل المأمور الجديد واحة سيوة مصطحبا زوجته الأيرلندية كاترين – منة شلبى -المهتمة بالبحث فى الآثار، ومثقلا بمشاعر الانكسار والهزيمة والإحساس بالعار لما اعتبره خيانة للثورة العرابية. وفى سيوة يبدأ المأمور رحلة المواجهة مع واقع قبلى منقسم بين أجواد شرقيين وغربيين، وواقع اجتماعى شبعته  العزلة والتهميش والفقر والجهل  بسيل من الخرافات ونبوءات  الموت والخراب ،التى ما إن تشعل شرارة الحرب بين أجواد الطرفين الشرقى والغربى، حتى تبدأ ولا تنتهى، وقبل هذا وذاك واقع مقتل مأمورين ممن سبقوه على أيدى أهل الواحة لتعسفهما فى جمع ضرائب باهظة من  محصولى البلح وشجر الزيتون،  واتخاذهما اجراءات  صارمة  امتثالا لأوامر سادة الاحتلال فى القاهرة.

وبرغم أن المأمور يسعى بأشكال شتى   من الممارسات التى  تتسم ببعد انسانى لكسب أهل الواحة إلى جانبه، بتقديم اقتراحات لوقف الحروب الأهلية بينهم، والموازنة بين أوضاعهم وبين طلبات سلطة الاحتلال، إلا أن مهمته تغدو صعبة للغاية، ليس لأن الموازنة هى بين ضدين لا يلتقيان، أو لأن أهل الواحة يتصرفون دون خوف من عقاب، لكن أيضا لأنهم لا يرغبون فى مساءلة أعرافهم البالية التى تعد الأرملة الجميلة مليكة وأى أرملة «غولة» تجلب الخراب والدمار والمرض لأهل الواحة، إذا ما انكشفت عليهم قبل مرور أربعين يوما على ترملها، وهى التقاليد التى تحدتها مليكة، وسوف  يقودها إلى حتفها ، شوقها العارم للتحرر  والانطلاق  والتحليق فى حياة  جديدة  قوامها خيال خصب  يتحايل على القمع  والظلام بالإبداع الفنى ونحت المساخيط. وتعد الممثلة الأردنية ركين سعد التى قامت بدور مليكة احد الاكتشافات الرائعة  للمسلسل.

نجحت المخرجة كاملة أبو ذكرى فى تقديم عمل جماعى كامل  الإتقان، يعيد للدراما التليفزيونية مكانتها الرفيعة، والمسلسل أعاد  اكتشاف قدرات الفنان خالد النبوى الذى يبقى دور المأمور علامة مضيئة فى مشواره الفنى. وقدمت منة شلبي واحدا من أجمل أدوارها وأكثرها صعوبة  تكشف من خلاله عن امكانياتها الفنية البالغة الثراء. وبدت البلاغة فى صمت الشيخ يحيى، ونبرات صوته الخفيض وروحه المسالمة وعقله الحكيم، فى الأداء المقتدر  البارع للفنان «أحمد كمال» وكذلك كان الفنان سيد رجب فى دور الشاويش إبراهيم.

لعبت مديرة التصوير نانسى عبدالفتاح دورا مهما فى احالة مشاهد الواحة إلى متعة بصرية ولوحات تشكيلية  شديدة الثراء ،حافلة بالدلالات والمعانى، فضلا عن كشفها لبهاء الواحة ولطبيعتها  الجبلية والصخرية  الخلابة. وتكاملت مع التصوير الإضاءة وموسيقى وألحان تامر كروان المشبعة بالحزن والقلق والترقب، وساهمت فى تكثيف الجو الأسطورى لأحداث المسلسل، جنبا إلى جنب الملابس التاريخية المتقنة للمصممة ريم العدل.

تستحق مجموعة العدل جروب التحية على إنتاج هذا العمل الضخم الفارق فى تاريخ الدراما التليفزيونية، لأنه  يجدد التأكيد على أن مصر العامرة بالموهوبين فى شتى المجالات، مصر الموهوبة، هى وحدها القادرة على هزيمة جحافل  الظلم والظلام  وتأكيد سلطة العدل وسطوة العقل.