بدون رتوش
خطيئة البرلمان
بعد تصويت أجرى على عجل يوم الاربعاء الماضى، أقر مجلس النواب اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية والتى بمقتضاها تنازلت مصر للسعودية عن جزيرتى تيران وصنافير الواقعتين عند مدخل خليج العقبة. تمرير الاتفاقية جاء ليعكس استهانة مجلس النواب الكاملة بالقضاء ومناهضته لغضبة الرأى العام المصرى. بل وجاء تجسيدا لمشروع يهدد الأمن القومى المصرى وشريان مصر الحيوى قناة السويس. وللأسف عمدت الحكومة إلى بذل كل جهد للدفاع عن سعودية الجزيرتين دون أن تتعرض بأى شكل للمحكمة الادارية العليا التى دحضت كل المزاعم القائلة بسعودية الجزيرتين وأكدت مصريتهما فى حكم تاريخى كان من المفترض أن يحظى باحترام السلطتين التنفيذية والتشريعية، وأن يتم تنفيذه بدون تأخير لا أن يجرى التحايل عليه ويضرب به عرض الحائط.
كان يتعين أخذ الحيثيات التى استند إليها حكم المحكمة الادارية العليا بموضوعية، وبالتالى لا يتم إقرار اتفاقية ترسيم الحدود حفاظا على التراب الوطنى، وتجنبا لعواقب وخيمة تتعدى حدود إثارة القلاقل فى مصر. أخطأ البرلمان عندما عقد جلسة عاجلة غاب عن المواطن متابعتها. جلسة لم يتم فيها طرح الوثائق التى تثبت ملكية السعودية للجزيرتين، وبالتالى لم تعط الفرصة لمناقشتها. الأمر الذى أظهر الدولة وكأنها تفرط فى أرض مصرية. وتجلى ذلك فيما جاء على لسان رئيس البرلمان من أن أحكام القضاء لا يعتد بها وأن البرلمان هو المخول بالتعامل مع القضية باعتبارها عملا من أعمال السيادة. أخطأ البرلمان عندما تجاوز القانون وعصف بالحكم النهائى الذى أقرته المحكمة الادارية العليا ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود، وما جاء فى حكمها من أن الاتفاقية والعدم سواء.
هل غاب عن الحكومة ومجلس النواب أن إقرار الاتفاقية يجعل ممر تيران ممرًا بحريًا دوليًا لا تملك مصر أى حقوق سيادية عليه وهو ما يصب بالإيجاب فى تعزيز أمن إسرائيل وبقاء تفوقها النوعى على كل الدول العربية؟ كان يتعين فى هذه المرحلة التى تمر بها مصر اللجوء إلى حل وسط يتم من خلاله تأجيل البت فى القضية فى الوقت الراهن حتى تهدأ الأمور وتصبح الساحة مهيأة لاتخاذ القرار الوجوبى الذى يتفق مع الوثائق. ويعزز هذا ما ذهبت إليه اليوم هيئة مفوضى الدولة برفض إبطال حكم الادارية العليا. صحيح أنها هيئة استشارية وتقريرها بالتالى لا يكون ملزما للدستورية العليا إلا أنها عادة ما يؤخذ برأيها.
وتظل الطريقة التى أدارت الدولة بها القضية خاطئة لا سيما مع ما جلبته معها من عوامل إحباط داخل المجتمع فى وقت يعانى فيه الجمهور من مشاكل اقتصادية حادة مع ارتفاع الأسعار جعلت أسهم الحكومة لدى ملايين المصريين فى سابع أرض. وإذا كان ترسيم الحدود بين الدول عملا من أعمال السيادة سيكون لزاما على الدولة اليوم اللجوء إلى استفتاء الشعب وفقا للمادة 151 من الدستور. كما لا بد أن يؤخذ فى الاعتبار وضع المنطقة وسط ما ترزح فيه من صراعات ونزاعات وقلق وهو ما يحدو بنا إلى أن نتساءل: هل يمكن وسط هذا أن تفقد مصر أحد أهم أركان أمنها القومى، وأن يتم هذا بإرادتها؟!! مجرد سؤال.