بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

عبدالناصر والجماعة

 

النتيجة الطبيعية للجدل السياسى الصاخب الذى أحاط بعرض الجزء الثانى من مسلسل الجماعة وقد تركز معظمه على نفى صحة انتماء الزعيم جمال عبدالناصر لجماعة الإخوان، أنه أبعد الانتباه عن الرسالة الواضحة التى ينطوى عليها المسلسل الذى يربط باقتدار بين الماضى والحاضر، ويلقى بالدروس تحسبا للمستقبل.

يؤكد المسلسل بذكاء وفطنة كاتبه وحيد حامد، وبراعة مخرجه شريف البندارى لكل من تنقصه الأدلة، أن العنف المسلح، وتصفية الأعضاء المنشقين، واغتيال الخصوم السياسيين، وتشويههم بالأكاذيب، وتكفيرهم، واستخدام الشعارات الدينية لتحقيق أهداف سياسية، وإشاعة الفوضى لفرض الهيمنة على الدولة، وتهديد أمن مواطنيها بقوة السلاح وسطوة المال, والمراوغة وازدواجية الخطاب، وزرع الأنصار فى كل مفاصل الدولة، واستخدام دور العبادة لأغراض سياسية، وعدم القدرة على التحرر من جذور العنف والتطرف لتحقيق أى هدف مهما صُغر شأنه، كل هذا يؤكد أن الإرهاب هو جزء من المكون البنيوى لجماعة الإخوان منذ نشأتها عام 1928. وكان مؤسسها حسن البنا هو الذى أنشأ النظام  الخاص، وهو الجناح العسكرى للجماعة، بزعم محاربة جنود الاحتلال البريطانى والعدو الصهيونى فى فلسطين، ومنح الحق لأعضاء هذا التنظيم، فى اغتيال الخصوم السياسيين دون إذن من أحد، كواجب دينى وجهاد شرعى «ضد المخالفين الكفار والمرتدين». وفى هذا السياق تم اغتيال القاضى الخازندار ورئيس الوزراء النقراشى، ومحاولة اغتيال إبراهيم عبدالهادى، واغتيال رئيس مجلس النواب حامد جودة.

فى مذكراته المنشورة  عام 1992 بعنوان: «الآن اتكلم» يذكر خالد محيى الدين أن حسن البنا قد سعى لشده هو وجمال عبدالناصر برباط وثيق إلى الجماعة، فقرر ضمهما معا إلى الجهاز السرى، لكى يرضى حماسهما الوطنى من جانب، ويضمن كسب مجموعة الضباط الأحرار للارتباط بالجماعة من جانب آخر. ويؤكد محيى الدين أن عبدالناصر وهو ذهبا معا للقاء المسئول الأول للجهاز السرى عبدالرحمن السندى، وأنه اصطحبهما إلى غرفة مظلمة، حيث قاما بوضع أيديهما على مصحف وسيف شعار الجماعة، وأنهما رددا خلف صوت صالح عشماوى يمين الطاعة للمرشد العام، وأنهما أعلنا بيعتهما التامة والشاملة له على كتاب الله وسنة رسوله. ولأن تلك واقعة يرويها شاهد عيان وأحد قادة ثورة يوليو، فلا يجوز التشكيك فيها، أو القول إن عضوية عبدالناصر فى الجماعة أمر لم يحسمه التاريخ، لأن التاريخ يكتبه أيضا وبالأساس شهود العيان ممن كانوا طرفا أصيلا فى أحداثه ووقائعه، كما أن نفى الواقعة كان يجب أن ينسحب على شاهدها خالد محيى الدين وقت نشر كتابه قبل 25 عاما، لا إلى مسلسل وحيد حامد الذى ذكرها، فضلا عن أن النفى ينطوى على مشاعر غير مبررة بالخزى من تلك الواقعة، مع أنها تنصف عبدالناصر من سيل الأكاذيب والافتراءات التى كالها له قادة الجماعة.

فقد تعامل معهم منذ البداية بحسن نية، وحين أدرك أنها جماعة تسعى لفرض وصياتها على الثورة، وأن تكون مرجعا ورقيبا أخلاقيا وشرعيا لقراراتها وقوانينها، تحققت شكوكه بأنها ليست جماعة دعوية تبشر بقيم الدين الإسلامى العليا، وأنها استخدمت الضباط لتعزيز نفوذها داخل الجيش ومكانتها السياسية خارجه، ولم تقدم شيئا للقضية الوطنية، فتصدى لرغبتهم فى التغول الذى لا يقيم وزنا للاختلاف أو للقانون، ولا يلزم نفسه بأية واجبات تفرضها المنافع العامة، ويتدثر بعظمة مزيفة، وتمركز جنونى حول الذات، وهو ما قاد إلى صدام معها لم يتوقف عند محاولة اغتياله الفاشلة فى المنشية، بل امتد حتى قضية المؤامرة الكبرى فى عام 1965، التى ينسج المسلسل خيوطها بحذق ومهارة، تذكر بما جرى فى الماضى القريب، كى يصحو الغافلون ويفيق المتشنجون، ويمتنع الرقباء والوسطاء، ويدرك البسطاء من أهل بلدى كيف انطلت عليهم الخديعة الكبرى بعد ثورة يناير!