رسالة حب
إمبراطور اليابان
على الرغم من أن اليابان دولة ملهمة للكثير من الدول خاصة فى العالم الثالث، فإن هناك ثلاثة موضوعات فقط نتوقف أمامها دائما.. الأول المعجزة اليابانية فى التعليم.. تلك المعجزة التى ساعدت اليابانيين على الخروج من كارثة هيروشيما ونجازاكى والتحول إلى دولة متقدمة تقف على قدم المساواة مع الدول العظمى وذلك فى وقت قياسى.. والثانى جودة الصناعة اليابانية التى كشفت عبقرية هذا الشعب فى التصنيع والإبداع.. أما الموضوع الثالث فهو الاهتمام غير المسبوق بالصحة العامة والبيئة.. هذا كل ما أثار اهتمامنا عن اليابان والمعجزة التى حققتها.. وعلى الرغم من أن القضايا الثلاث هى قضايا مصيرية تكفى لبناء امبراطورية.. فإن أحدا لم يهتم بما هو أبعد من ذلك وهو العنصر البشرى خاصة فى القيادة والإدارة.. فالشعب اليابانى يختلف عن باقى شعوب العالم فى هذا المحور تحديدًا.. فمثلا نجد أن المسئول اليابانى يسرع بالاستقالة أو الانتحار فى حالة الفشل أو ارتكاب جرائم تمس المال العام مثل الرشوة والفساد.. ورغم اختلافنا معهم فى مبدأ الانتحار، فإنه يكشف عن ضمائر حية قادرة على البناء بكل تفانٍ وإخلاص.. أما عندنا فى دول العالم الثالث فإن الأمر يختلف تماما.. فمهما كان حجم الفشل أو الفساد فإن الأمر يبدو طبيعيا لأن الضمائر تكون قد ماتت وفى هذه الحالة فلا أمل فى أى إصلاح أو نجاح.
منذ أيام والعالم يتحدث عن حكاية من اليابان بطلها الإمبراطور أكيهيتو.. فالرجل أراد أن يكتب لحياته فى السلطة نهاية.. بإرادته طوعًا لا كرها.. قرر أن يتخلى عن المنصب.. أراد أن يترك العرش بكل ما فيه من الجاه والسلطان ليأوى إلى الظل ويعيش حياة البسطاء ويقضى ما بقى من العمر على شاطئ آخر.
فى رسالة تليفزيونية مسجلة لم تتجاوز بضع دقائق.. قال الإمبراطور أكيهيتو إنه بدأ منذ فترة فى التفكير فى الفترة التى قضاها فى منصبه والتأمل فيما يريد القيام به فى السنوات المقبلة، وأضاف: أشعر بالقلق من أنه ربما يصبح من الصعب بالنسبة لى أداء مهامى بكامل قوتى كما أنا الآن.
تخطى الرجل الثمانين وجلس مع نفسه يفكر فى أمرين: الأول كشف حساب حول الفترة التى قضاها امبراطورا للبلاد والتى تقترب من ثلاثين عامًا.. أما الأمر الثانى فهو التفكير فى مستقبله ومستقبل بلاده ذلك بعد ان انتابه شعور بالقلق من عدم القيام بمسئولياته بكامل قوته وهو ما يدفعه أيضًا للتفكير فى مستقبله وفيما سيفعله فيما تبقى من عمره.
وإذا وضعنا فى الاعتبار أن الشعب اليابانى هو شعب معمر وأن الثمانين تعادل الستين بالنسبة لنا، وأن خروج الإمبراطور من منصبه يعد حادثا هو الأول من نوعه منذ أكثر من 200 عام، وأن الدستور اليابانى يمنع التنازل عن العرش، فإن ما فعله الرجل يعد زلزالا فى اليابان ودرسا لمن حولها.