بدون رتوش
مخطط التقسيم
ما يحدث فى الدول العربية اليوم لم ينبع من فراغ، فهو صورة مجسدة للمشهد الذى رسمت الصهيو أمريكية معالمه من أجل تقسيم المقسم وتجزئة المجزء عبر شيوع الإرهاب والعنف ونشر الفوضى الهدامة. ولعل الخريطة التى رسمتها مؤخراً صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية على موقعها الإكترونى الأكثر دلالة على ما يراد للشرق الأوسط الذى حددت الخريطة شكله فى 14 دويلة، وهو ما يتفق مع دراسة بعنوان «استراتيجية لإسرائيل فى الثمانينيات» والتى أعدها «عوديد بينون»، وهو موظف سابق فى الخارجية الإسرائيلية، وهى تحمل الكثير مما يجب التوقف عنده نحو دول المنطقة، فرغم أن الثنائية القطبية نظام اختفى بزوال الاتحاد السوفيتى فى مطلع التسعينيات من القرن الماضى، إلا أن الهدف يظل باقياً. كما أن تغيير النظام الدولى قد يكون فى صالح هذا الهدف، خاصة إذا كانت الأوضاع الداخلية العربية تعطى الفرصة لذلك.
ترتكز استراتيجية إسرائيل على محاور أهمها: 1- استعادة شبه جزيرة سيناء بمواردها القائمة وتحقيق هذا على المدى الطويل يقوم على تجزئة مصر إقليمياً إلى وحدات جغرافية منفصلة من بينها دولة قطبية مسيحية فى صعيد مصر. 2- تفتيت سوريا والعراق إلى مناطق إثنية ودينية على غرار لبنان هو هدف أول بالنسبة لإسرائيل فى الجبهة الشرقية على المدى البعيد بحيث تقوم بالعراق ثلاث دول أو أكثر من حول المدن الرئيسية البصرة والموصل وبغداد. إذ تنفصل مناطق شيعية فى الجنوب عن الشمال السنى والكردى بأكثريته ويكون بذلك التقسيم الطائفى متاحاً على غرار سوريا فى العهد العثمانى. 3- تفتيت سوريا وفق التركيب الإثنى الطائفى إلى عدة دول مثل لبنان بحيث تقوم على ساحلها دولة علوية شيعية، وفى مناطق حلب دولة سنية، وفى منطقة دمشق دولة سنية أخرى معادية للدولة الشمالية. ويشكل الدروز دولة ربما فى الجولان وحوران وشمال الأردن. وتزعم الدراسة أن هذه ستكون ضمانة للسلام فى المنطقة على المدى البعيد.
4- شبه الجزيرة العربية بأسره مرشح طبيعى للانهيار أكثر من غيره، وهو أمر غير مستبعد خاصة فى السعودية سواء بقيت قوة اقتصادية أم انخفضت على المدى البعيد. 5- ينبغى أن تؤدى سياسة إسرائيل حرباً أم سلماً إلى تصفية الأردن بنظامه الحالى ونقل السلطة إلى الأكثرية الفلسطينية. 6- تتحدث الدراسة عن استثمار الجانب العرقى الإثنى لتقسيم بلاد المغرب العربى إلى كيانات تقضى على وحدة الدولة، وكذلك اليمن. أما السودان فسيجرى تقسيمه إلى أكثر من كيان: واحد فى الشمال، وثان فى الجنوب، وآخر فى الشرق، ورابع فى الغرب.
ولا شك بأنه حين يقرأ المرء هذه الدراسة سيرى أن هناك ما تحقق منها حتى الآن بما يؤكد أن العملية تسير كما خطط لها، فالسودان تم تقسيمه إلى شمال وجنوب، وما زالت النزاعات تجتاحه بهدف المزيد من تقسيمه، والعراق أصبح أقرب ما يكون إلى دويلات سنية وشيعية وكردية، وها هى سوريا تدور الحرب فيها من أجل تقسيمها. الجدير بالذكر أن الخريطة التى نشرتها نيويورك تايمز تعد موصولة إلى حد كبير بهذه الدراسة الإسرائيلية، فالمخطط يستهدف دولنا التى يتعين عليها الإفاقة قبل فوات الأوان.