بدون رتوش
التدخل المرفوض
فى أعقاب مباحثاته فى موسكو الأربعاء الماضى مع نظيره لافروف وزير الخارجية الروسى خرج عادل الجبير، وزير الخارجية السعودى، ليكرر الأسطوانة المشروخة التى اعتاد ترديدها دوما عندما قال: «إن الرياض لا تزال تعتقد أن الرئيس السورى ليس له مستقبل فى سوريا، وأن الرياض ترغب فى وضع حد لتدخل إيران فى الشرق الأوسط». لتتزامن تصريحاته مع تصريحات مماثلة لأردوجان، ومع تصعيد الحديث عما يسمى بمجزرة خان شيخون الكيميائية، وخروج فرنسا لتلصق الاتهام بالنظام السورى. أما روسيا فترجمت هذا بأنه مؤامرة أرادت استخدام واقعة خان شيخون لتغيير النظام السورى، وهو ما جاء على لسان لافروف عندما قال: «هناك جهات عديدة على رأسها أمريكا وفرنسا تريد استخدام مجزرة خان شيخون لتغيير النظام على غرار ما حدث فى العراق وليبيا».
وبالعودة إلى تصريحات الجبير أقول هل غاب عنه أن مستقبل سوريا والرئيس الأسد لا يمكن إقراره فى السعودية أو أنقرة أو واشنطن أو باريس أو برلين أو موسكو. وإنما يجرى إقراره من قبل الشعب السورى وحده، ويتحدد عبر صناديق الاقتراع وليس عبر أمزجة الخارج؟. أى ليس عبر ما تفرضه السعودية وغيرها من شروط اذعان تطالب فيها بما ليس لها حق فيه. وهل غاب عن الوزير السعودى أنه فى الوقت الذى يتهم فيه إيران بالتدخل فى الشئون الداخلية لدول المنطقة، تتدخل السعودية عنوة فى سوريا عندما تقحم نفسها فى شأن يخص الشعب السورى وحده. بل إن ايران التى يتهمها الجبير دوما بالتدخل فى الشأن الداخلى للدول لم يحدث أن طالبت برحيل أى ملك أو رئيس دولة فى المنطقة.
لم تستطع السعودية للأسف فك رموز شفرات الأزمة السورية ما انعكس بدوره سلبا على دبلوماسيتها الخارجية لتبدو ضعيفة وغير فعالة، ولم يتسن لها حتى الآن الوقوف على أن وجود الرئيس بشار على رأس الدولة هو خط أحمر لا يجوز لأحد الخوض فيه والحديث عنه خارج الدولة السورية. وكان يتعين على السعودية فيما إذا كانت منصفة وتريد حلا للأزمة السورية أن ترطب الأجواء بين النظام السورى والمعارضة المعتدلة، أى غير المسلحة، وأن تعمل على جسر الهوة بينهما، بدلا من وضع العراقيل فى طريق الحل لا سيما أن الوضع فى المنطقة بعد فورات الجحيم العربى ليس فى حاجة إلى استعداء دول الجوار، وصب الزيت على النار واشعال المزيد من الأزمات.
كان يتعين على المملكة السعودية أن تدرك أنه وسط ما يحدث اليوم فى المنطقة سيكون من الصعب عليها تغيير الوضع الاقليمى بالصورة التى تخدم أجندتها. ولهذا كان يتوجب عليها أن تضع فى حسبانها التغيرات السريعة والدراماتيكية فى السياسة الدولية التى ستنعكس بدورها سلبا أو ايجابا على منطقة الشرق الأوسط، وأن تضع فى حسبانها الصعود الصاروخى لروسيا كقوة عالمية وتأسيسها لقواعد عسكرية فى سوريا والمؤشرات التى قد تعكسها إعادة تأكيدها على دعم الرئيس بشار، وأنها لا يمكن أن تتخلى عنه بوصفه أقرب حلفائها. يتعين على السعودية إعادة قراءة مواقفها من سوريا حتى لا يؤدى الطوفان السياسى فى المنطقة إلى كوارث ماحقة ستعصف بالجميع. فالأبدى والأجدى أن ترفع السعودية يدها عن سوريا، وأن تتوقف عن التدخل فى شأن داخلى يخص الشعب السورى وحده، وليعلم الجبير أن سوريا ليست ولاية سعودية حتى تعين لها من يحكمها.