على فكرة
السعودية تعدو صوب التحديث
على وقع خطى التغيير المتسارع الذى يحدث فى المنطقة والإقليم والعالم، تجرى وتيرة التحديث فى السعودية على قدم وساق، وتحمل معها آمالا مفعمة بالتفاؤل لكثيرين، أن تنعكس نتائج ذلك التحديث ليس فقط على تقدم المجتمع السعودى ونهضته، بل أيضا على جهد بارز للمملكة فى مكافحة التطرف الدينى والإرهاب تتيحه لها مكانتها الدينية المرموقة.
وتأتى الإجراءات والقرارات التنفيذية الأخيرة للملك سليمان دعماً لهذا التوجه من ناحتين الأولى مكافحة الفساد المالى والإدارى واستغلال النفوذ بعزل مسئول حكومى كبير من منصبه، وتقديمه للمحاكمة، وتعزيز مكانة ونفوذ الأجهزة التنفيذية التى تلاحق هذا الفساد وتتلقى شكاواه من مواطنى المملكة.
والثانى هو جعل العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين القيادة السعودية مباشرة ودون وسطاء من خارج الأسرة، بتعيين نجل الملك خالد بن سلمان سفيرا فى واشنطن برتبة وزير.
وامتثالا للواقع السكانى الذى يقول إن نحو 70% من سكان المملكة البالغ عددهم نحو 32 مليون نسمة هم من الشباب، فقد أولت الحكومة السعودية اهتماما بإدخال إصلاحات واسعة على نظام التعليم، كان من نتائجه أن نحو 55% من خريجى الجامعات من النساء، فضلا عن فتح المجال وتقديم التسهيلات لنحو 80 ألف طالب وطالبة للدراسة بالخارج سنويا فى مختلف التخصصات، وإدراج هؤلاء حين عودتهم إلى وطنهم فى وظائف تنفيذية، مما يلعب دوراً فى فك الارتباط بينهم وبين بعض التقاليد الاجتماعية الموروثة والمحافظة، وتحجيم الرؤى البيروقراطية الضيقة الأفق فى إدارة شئون الدولة.
وقبل سنتين تم السماح للنساء للمرة الأولى بالتصويت لاختيار المجالس المحلية، وحين شكل العاهل السعودى الراحل الملك عبدالله مجلس الشورى من 150 عضوا، أصدر أمراً ملكياً بتخصيص 20 % من مقاعده للنساء، وبناء على ذلك تم للمرة الأولى تعيين 30 سيدة فى المجلس.
بالإضافة لفتح المجال أمام المرأة للمشاركة بقوة فى النشاط الاجتماعى والاقتصادى والعلمى والأكاديمى، لاسيما بعد صدور قانون يحظر هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، الذى شكل نشاطها قيداً على الحريات بشكل عام، وعلى حقوق المرأة على وجه الخصوص .
وعلى عكس ما يرى كثيرون، فإن اختيار السعودية مؤخراً عضواً فى لجنة حقوق المراة فى الأمم المتحدة، هو نوع مفيد من الخطوات التشجيعية، سيضطر المملكة إلى الالتزام بالمعايير الدولية للمساوة بين الجنسين، كما سيدفعها، طبقا لتلك المعايير، إلى تعديل القوانين التى تذهب بالمرأة بعيدا عن نيل حقوقها.
وفى ضوء القراءة الواقعية للمستقبل، والتذبذبات الحادثة فى أسواق النقط العالمية وانخفاض أسعاره، والتأهب لما بعد مرحلة نضوب البترول، أعدت السعودية برنامج التحول الوطنى المرحلى 2020 الذى يسعى لتطوير العمل الحكومى، ورفع كفاءة الانفاق العام، وإعداد البنية التحتية الملائمة لتنفيذ رؤية المملكة 2030 لتطوير أوضاع الاقتصاد السعودى، وتوفير موارد مالية أخرى غير النفط الذى يوفر أكثر من 70% من إرادات الحكومة، فضلا عن تحسين الاوضاع الاجتماعية للمواطنين. ولا شك أن انجاز هذين البرنامجين بنجاح سيمتد أثره الايجابى من داخل المملكة إلى خارجها، وعلى وجه الخصوص إلى دول مجلس التعاون الخليجى.
توازنات صعبة تجريها السعودية بين التيارات المحافظة وتيار التحديث الذى يقوده بحماس الأمير محمد بن سلمان ويقول عنه إن السماء هى الحد لطموحات السعوديين فى الإصلاح.
لكن المؤكد أن هذا المشروع الطموح يتعزز بتخلى المملكة عن الحساسية والحذر لكى تتصدى بجسارة للدور المخرب الذى تلعيه قطر فى دعم وتمويل الجماعات الإرهابية الخارجة على القانون فى دول المنطقة، وقد عانت هى نفسها من ويلات تطرفها.