بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

أن تكون مرفت رجب

حين نقرأ كتاب الإعلامية الكبيرة مرفت رجب" سفر فى سفر" الصادر مؤخرا عن كتاب الهلال، سوف نكتشف أن الكتاب جزء أصيل من شخصية كاتبته، فهو مثلها ينقب  بدأب فى الأماكن والمدن  والبشر والحجر والكتب والتجارب  العامة والخاصة عن مواطن الجمال والجدوى، التى تهب  الإنسان الفرد و وتهب الجماعة كما الشعوب، فى أكثر اللحظات عتمة ،القوة لمواجهة قبح الواقع وقسوته وافتقاده للعدل والرحمة والانصاف.

لم تكن مصادفة أن يضعنا  الكتاب  من الوهلة الأولى  ،أمام  المدرسة الإعلامية التى  ترعرت فيها وانتمت إليها مرفت رجب، وقادتها للتميز والإبداع فى إذاعة صوت العرب ومنها  لتولى رئاسة التليفزيون. فالإعلام رسالة لا وظيفة، ودور مسئول  لا منجهة اجتماعية،ومعركة دائمة لكشف الحقائق، لاتشويهها، ولتوعية العقول وكسبها  لا للتلاعب بها وتغيبها، وجسر للتواصل بين  فئات الناس وبين مختلف الشعوب، لا لزرع  الخوف والشقاق بينها. ففى طهران،كشف لها الشعب الإيرانى عن محبة غامرة للمصريين، بما يتناقض مع المغالطات التى يروج لها إعلام سفيه وجاهل. وربما  لأنها كانت دوما  تغرد خارج السرب،وتتمرد على إدارات  الولاء والطاعة والاذعان ، كان عليها أن تدفع ثمن تمسكها بأن تكون انسانة حرة، تقول ما تفعل، وتفعل ما تقول.وكان من الطبيعى والحال هكذا،أن تتم الاطاحة بها من موقعها فى رئاسة التليفزيون بعد أشهر معدودة  من توليه، لتضيع عليه وعلينا فرصة  نادرة  للنهوض به ولتطويره ليبقى  هذا الصرح الوطنى الذى  كان ملاذا لنا فى سنوات الزهو وفترات الانكسار، مترهلا   بعد أن سقط  رهينة فى يد شبكة متوحشة، لا تحركها سوى شراهة مصالح خاصة، لاتأبه بالصالح العام.

وبلغة عذبة مكثفة شديدة الوضوح، وسرد قصصى مفعم بالذكاء ودقة الملاحظة، وخفة الروح والسخرية الحنونة، ومهارة التقاط أدق التفاصيل،وبراعة استخلاص نتائج مبهرة من ربطها بعضها البعض، يأخذنا كتاب مرفت رجب ليجول بنا  عبر نزعة تأملية، وثقافة موسوعية عميقة، تعانق الحياة وتحتفى بها،فى مدن داخل مصر وخارجها،وبين كتب غربية وأخرى عربية،وبين فنون السينما والنحت،لكى تؤكد للذاكرة الجمعية للمصريين أن الأمم تنهض بالتعليم  والاعتزاز بلغتها القومية،  وأن مصر ليست القاهرة،وأن لريفها حقا فى التمتع بالفنون والمتاحف  التى ترقى الذوق والوجدان،وأن العنف يدمر من يمارسه وقد يدفع به إلى الجنون أو الانتحار،وأن إرادة الإنسان قادرة على تغيير واقعه البائس وانتشاله من القاع إلى القمة، وأن الضحية مسئولة عن مصيرها إذا لم تصد ظالميها. ويكشف الكتاب عن التحولات الكارثية  للشخصية المصرية من جراء  ثقافة الاستهلاك  والعلاقات العامة.

«سفر فى سفر» هو كتاب يقترب من أدب الرحلات ومن فن السيرة الذاتية  الذى يستعرض  جانبا من مشوارمهنى يقترن بالاتقان والاحترام، وينطوى على قوة داخلية تستمد ثباتها من سلة من القيم العليا حكمت هذا المشوار فأينع  بالمعرفة والنزاهة والكبرياء الشخصى والوطنى.ومع أن المشوار لم يكن يخلو من عثرات وأشواك وخيبات، فمن المدهش أن الكتاب يخلو تماما من أى مرارات،بل يفتح مع كل حكاية بابا واسعا للأمل والمسرة.فأن تكون مرفت رجب فأنت تؤمن أن الصباح يولد دائما  من غيمة الظلام.