على فكرة
قمة الأردن: الانعقاد هو الحدث
قبل يومين من انعقادها، سألنى زميل صحفى: ماذا تطلبين من القمة العربية فى البحر الميت؟ أجبت: الستر. ارتبك الزميل، وتساءل مندهشاً ماذا تقصدين؟ قلت والله العظيم لا أطلب سوى أن يسترها الله معنا، وأن تنجح القمة فى الانعقاد أولاً دون مشاكل ومقاطعات، وأن تبدأ وتنتهى دون جروح جديدة فى الجسد العربى المثخن بالجراح، والتمزق، والذى يحوم حوله من الجهات الأربع، شبح التقسيم المذهبى والعرقى والطائفى، بعد أن أصبح غنيمة سهلة على موائد اللئام من الكبار والصغار تنهش دولة، وتسطو على ثروات شعوبها. ولأن الله عليم بحجم العهود المهدرة، والآمال المجهضة، والأحلام المؤجلة، التى باتت حدثاً يومياً فى حياة المواطن العربى، تزيد من خيباته وتحطم معنوياته، وتدخله فى مسارب من اليأس وانعدام الثقة فى كل شىء، فقد استجاب للدعاء، وفاق ما جرى فى القمة كل توقع، وجادت بما هو أكبر من الستر.
وجاء نجاح الملك الأردنى «عبدالله الثانى» فى إيجاد لغة مرنة تجمع فى القمة شمل 18 رئيساً وملكاً وأميراً عربياً للمرة الأولى، مقارنة بقمم سابقة، رسالة تتسم بالأمل أن تكون الجامعة العربية هى المظلة التى ينبغى أن يتم تحتها مناقشة الخلافات والأزمات والتوترات بين دولها بشفافية وبمسئولية تعكس إدراكاً بالتغيرات الإقليمية والدولية، ووعياً بحجم المخاطر التى تحيط بكل بلد على حدة ، بديلاً عن القطيعة والحملات العدائية المتبادلة التى تضخم تلك الخلافات، وتتعس الشعوب، وتضر بمصالحها. وفى هذا السياق يكون انعقاد قمة الأردن فى ذاته هو الحدث، بعد توقعات ومراهنات على أن تتشابه مع سابقتها فى العاصمة الموريتانية نواكشوط، التى عقدت فى يوليو من العام الماضى، ولم يشارك بها سوى سبعة زعماء عرب فقط ، ولم يسفر عنها أية حلحلة فى الواقع العربى الهش والمنقسم.
على العكس من ذلك جاءت قمة الأردن التى أعادت القضية الفلسطينية بعد طول غياب إلى المشهدين العربى والدولى، بتجديد تأكيدها على التمسك بمشروع السلام العربى فى قمة بيروت عام 2002، والقائم على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فى مقابل قيام الدولة الفلسطينية على حدود4 يونية 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما سيحمله معه الرئيس السيسى إلى واشنطن فى لقائه المرتقب بعد أيام مع الرئيس الإمريكى ترامب لكى يضعه موضع الاعتبار، وهو يسعى لبلورة سياساته المستقبلية تجاه المنطقة.
وليس هناك أدنى شك أن واحداً من أهم إنجازات هذه القمة التى تحسب للعاهلين الأردنى والبحرينى والأمين العام للجامعة العربية، الجهود التى كللت بالنجاح لعقد لقاء مشترك بين العاهل السعودى الملك سلمان والرئيس السيسى، بعد الخلافات التى نشبت بين الدولتين منذ أكتوبر من العام الماضى، بسبب تباين الرؤى بينهما بشأن الأزمتين السورية واليمنية، وما وصفته بعض وسائل إعلام سعودية، بمراوغة السلطات المصرية فيما يخص جزيرتى تيران وصنافير، وهجوم بعضها على القيادة المصرية، ووقف العمل باتفاق موقع لمد مصر بالبترول.
الأغلب الأعم أن الرئيس السيسى سيعود من واشنطن إلى الرياض تلبية لدعوة الملك سلمان، فضلاً عن زيارة مرتقبة للعاهل السعودى إلى القاهرة، ولعل هذه المصالحة التى أثلجت صدور الشعبين، أن تعيد التأكيد على الأسس الواضحة التى تقوم عليها العلاقات، وهى أن احترام الحق فى الاختلاف ليس جريمة تستحق العقاب، بل هو حفاظ على مصالح الطرفين.