ضربة قلم
رئيس الوزراء وفندق الكونتيننتال
بعد الاعتداء على الدستور، وحل البرلمان عام 1925، تطورت فكرة عقد مؤتمر وطنى يضم جميع الأحزاب المصرية إلى فكرة دعوة البرلمان بمجلسيه «النواب والشيوخ» إلى الانعقاد. وأصدرت حكومة زيور باشا ثلاثة قرارات، أحدها باسم مجلس الوزراء، وأعلنت فيه منع أى اجتماع داخل البرلمان أو فى مكان آخر بالقوة، والثانى من وزير الداخلية، ويقضى بمنع اجتماع البرلمان، وتكليف الجيش بالمحافظة على النظام، وإجازة القبض على كل مشاغب، وإطلاق الرصاص، والثالث تتوعد فيه وزارة المعارف الطلبة بتوقيع العقاب الشديد على من يقومون بالمظاهرات أو يضربون عن الدراسة. وفى مساء يوم الجمعة 20 نوفمبر حاصرت قوات الجيش البرلمان والشوارع المحيطة به، وسلم معاون بوليس البرلمان مفاتيح جميع مكاتبه وغرفه إلى قائد القوة المكلفة بمحاصرة البرلمان، ووضعت المفاتيح فى كيس خُتِم بالشمع الأحمر، وافترش الجنود والضباط بطانياتهم، وأكلوا البقسماط داخل البرلمان، ووقفت فرقة من الكشافة فوق قبة الدار فى أيديهم النظارات المكبرة لاستطلاع طلائع العدو «النواب» عند حضورهم إلى دار النيابة.
وفى صباح يوم 21 نوفمبر، طافت مظاهرات الطلبة شوارع القاهرة تهتف بحياة الدستور، وسعد زغلول باشا، وحدث أن سعد باشا مرَّ برجال الجيش أثناء خروجه من بيت الأمة، فأدى له بعض الضباط التحية العسكرية، كما أن بعض الضباط والجنود سارعوا إلى التصفيق الطويل لهتاف التلميذات المتظاهرات.
فى يوم الجمعة 20 نوفمبر، بات الكثير من أعضاء مجلسى النواب والشيوخ بفندق الكونتيننتال الذى كان يقيم فيه زيور باشا، رئيس الوزراء، فلما أصبح يوم 21 نوفمبر تم اجتماع البرلمان بالفندق، وفشلت محاولات وزير الداخلية بمنع مبيت الأعضاء؛ لأن الفندق كان مملوكاً لشركة أجنبية، وتم افتتاح الجلسة فى منتصف الساعة الحادية عشرة صباحاً برئاسة سعد باشا أكبر الأعضاء سناً، وقرروا الاحتجاج على تصرفات الوزارة المخالفة للدستور، وعلى منع الأعضاء من الاجتماع فى دار البرلمان بقوة السلاح، واعتبار دور الانعقاد موجوداً قانوناً واستمرار اجتماعات المجلسين فى المواعيد والأمكنة التى يتفق عليها الأعضاء، وبعد ذلك انتقل أعضاء مجلس الشيوخ إلى قاعة أخرى، وبقى أعضاء مجلس النواب برئاسة سعد زغلول الذى أعلن افتتاح الجلسة، وطلب انتخاب هيئة المكتب، وكانت النتيجة انتخابه رئيساً لمجلس النواب، ومحمد محمود باشا، وعبدالحميد بك سعيد وكيلين، وويصا واصف، وعلى بك الشمسى، وعبدالجليل أبوسمرة أفندى، وأحمد بك عبدالغفار، سكرتارية.
ثم قرر المجلس فى قاعة الكونتيننتال عدم الثقة بالوزارة، طبقاً للمادة 65 من دستور 1923، ووقع «الشيوخ» على القرار، وتقرر بالإجماع ندب وفد من فتح الله بركات باشا، ومحمد محمود باشا، وعبدالحميد بك سعيد، لرفع القرار إلى الملك أحمد فؤاد.
فى ذلك اليوم حيا زيور باشا النواب المجتمعين وقت مغادرته الفندق متجهاً إلى رئاسة الوزراء، وعند خروجه لاحقته هتافات الشعب؛ «نريد الدستور.. احترموا حقوق الشعب واستقيلوا».
تلك كانت المرة الوحيدة فى التاريخ التى يعقد فيها البرلمان جلسته داخل فندق.. فندق الكونتيننتال أنشئ عام 1908، وكان يطلق عليه الكونتيننتال الملكى، قطعة من تاريخ مصر، وأقدم فى نشأته من دول عديدة بالمنطقة، ومع ذلك تصر الشركة المصرية العامة للسياحة والفنادق «إيجوث» على هدمه وإزالته وبيعه لمستثمر عربى لإقامة مول تجارى على أنقاضه.. وقام رئيس الشركة بتكليف أحد الاستشاريين للإشراف على عملية الهدم مقابل مبلغ ثلاثة ملايين ونصف المليون جنيه.
منذ نحو 26 عاماً والحكومة تتربص بهذا الفندق لإزالته دون محاولة منها لترميمه وتحويله إلى مقصد سياحى ومحكى لفترة مهمة من تاريخ مصر الحديث.
هل يعيد المهندس شريف إسماعيل التفكير فى قرار الهدم والذى يتردد أنه من اختيار الاستشارى وفرضه على الشركة مقابل هذا المبلغ الضخم، أسوة بأتعاب الاستشاريين فى العمليات الأخرى للشركة؟ ولماذا تكرر الحكومة أخطاء الماضى حين تمت إقامة جراج للسيارات محل دار الأوبرا الملكية التى احترقت فى أحد مواسم الجرد، وأين وزير الآثار من هذه الجريمة؟ أرجو من رئيس الوزراء التدخل والمراجعة لهذه القرار؛ لأن التاريخ لا يرحم.