على فكرة
عن الولع بنظرية المؤامرة
تلقيت بعض التعليقات الناقدة على مقالى فى هذه الزاوية الأسبوع الماضى تحت عنوان: «درس فى تفكيك الدول» الذى رويت فيه شهادة ضابط متقاعد من المخابرات السوفيتية، عن معاصرته وحيازته عددا من الوثائق، عن المخططات الأمريكية والغربية التى وضعت من أجل إسقاط الاتحاد السوفيتى .
ومن بين أوجه النقد، التساؤل عن السبب الذى منع هذا الضابط من أن يتقدم بما لديه من معلومات إلى رئيس الدولة لتجنب تلك المؤامرات؟ والجواب أنه فعل ذلك هو وغيره لكن صرختهم ذهبت أدراج الرياح، لأن من تسلم هذه التقارير، كانوا هم أنفسهم من جندتهم المخابرات الغربية للقيام بهذا العمل، من رئيس الدولة إلى حاشيته وأجهزته الأمنية والدبلوماسية والإعلامية.
وانصب النقد الآخر على أن المقال يعكس ولعًا بنظرية المؤامرة. ومع أن أحدا من الأحياء ممن ورد اسمه فى هذه الشهادة المهمة، وبينهم بوش الأب وجرباتشوف لم يكذب ما جاء بها، بل إن الأخير أدلى بتصريحات عبر فيها عن ندمه وخطئه فى الاستجابة لضغوط يلتسين ومن كانوا يستعجلون تفكيك الاتحاد السوفيتى، إلا أن الشهادة تبرهن على خطأ من يقللون من عامل الضغوط الخارجية فى هذا الانهيار المخيف.
لم يكن بوسعى فى هذه المساحة المحدودة أن أذكر كل ما ورد فى هذه الشهادة من قصص تجيب عن معظم الأسئلة، لكن المؤكد أنه لا يمكن تفسير حدث تاريخى بهذا الحجم المؤثر بعامل المؤامرة وحده، وهو ما أوضحه الضابط السوفيتى فى شهادته. وليس هناك خلاف على أنه لو لم تتوفر الشروط والسياسات الداخلية التى تسمح للضغوط والمؤامرات الخارجية بتحقيق أهدافها، ما كان لها أن تنجح فى إسقاط دولة عظمى ومعسكر من الدول بأكمله.
كان نجيب محفوظ محقا حين قال إن المساواة التامة بين البشر التى تعد جوهر الفكر الاشتراكى، فكرة نبيلة، لكنها حالمة، تحتاج لكى تتحقق إلى ملائكة لا بشر. هذا بالإضافة إلى شيوع الفساد وتجذر البيروقراطية، وغياب الديمقراطية وحريات الرأى والتعبير، والعجز الفكرى عن إعطاء مضامين جديدة للأفكار القديمة عن الحزب الواحد والسلطة الحاكمة، والوحدة فى اطار التنوع العرقى والدينى والقومى. بات من المنطقى والحال هكذا، أن تنجح الضغوط الخارجية فى استثمار سخط الشعوب وزعزعة قدرتها على الصمود، وتشويه وعيها، وإغوائها بالمال وبالدعاية المضادة والوعود الزائفة، التى تصور الانهيار والفوضى التى تعقبه على أنها فتح لأبواب الثراء السريع للجميع ،وإعادة بناء المجتمع لمن ينشدون الحرية والديمقراطية ويتشوقون لترف الاستهلاك ومباهج السوق الحر، تجمعت كل هذه العوامل لكى تنخر فى صمت، جدار الاتحاد السوفيتى، لكى يغدو السقوط مدويا, يجلجل فى أرجاء المعمورة .
لست مولعة بنظرية المؤامرة، لكن ما سبق من حديث يؤكد دورها الحاسم فى السقوط. وليس ما جرى من غزو للعراق ونهب ثرواته وفتح أرضه لشذاذ الآفاق من أنحاء الأرض، وتكريس حكم طائفى به عبر آليات ديمقراطية، وسيطرة الجماعات المسلحة على التحرك السلمى الديمقراطى فى سوريا التى باتت على مشارف التقسيم، وما يجرى فى ليبيا واليمن، وكل دول المغرب العربى، سوى تطويع للمنطقة وفقا لقرار دولى يسعى لتحقيق مصالحة مستحيلة بين تيارات الإسلام السياسى والديمقراطية لمساعدة الغرب فى حربه على الإرهاب.
وما هذا سوى ولع بتنبيه بنى وطنى بما كان ولايزال يخطط لهم .