بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

موت الواقع

الدول لاتتقدم وهي تسير علي قدم واحدة - فما الحال لو كانت مبتورة الساقين ؟ في ظروف عصرنا لم يعد صالحا الحكم الأبوي لأن الدولة لم تعد قبيلة يرعي ابناؤها الغنم نهارا ويتحلقون حول شيخهم ليلا .. مصر تبحث عن نفسها منذ مطلع القرن التاسع عشر - يعني من 1805 مع قدوم محمد علي واليا علي البلاد وحتى يومنا هذا .. العامل المشترك بين أكثر من خمسة عشر حاكما تعاقبوا علي حكم مصر من محمد علي الي الآن  هو عدم مشاركة الشعب في العملية السياسية  .. الشعب ليس شريكا وانما اقرب للأجير الذي عليه أن يتقبل شروط المؤجر .. المشترك الثاني هو الحفاظ علي شعب مرهق لايستطيع مساءلة الحاكم اذا استعصت عليه الحياه وانزوت العدالة خلف أسوار الخوف .. المشترك الثالث بين الجميع يظهر في تحالف السلطة  مع المؤسسة الدينية ( مسلمة أو قبطية ) لترويض المجتمع وتبرير مظالمه ووعده بأن ماهو محروم منه في الدنيا سيناله في الآخره وأن أولي الأمر أدري بحقك منك فلا تشغل نفسك بما لست بحاجة اليه  .. المشترك الرابع بين الجميع أن الحرية شر والإصرار عليها إثم عظيم يذهب بأصحابه للتهلكة ، وأن الحرية الوحيده الممنوحة للشعب هي حريته المطلقة في التعبير عن حبه للحاكم وهيامه بعبقريته وحكمته .

 وكل من يتصور أن الحرية تمنحه حق انتقاد الحاكم سواء كان ملكا أو رئيسا للدولة  او حتى انتقاد رئيس البرلمان فإن في ذلك ذنب عظيم لايمكن بموجبه ترحيل حساب صاحبة لللآخرة وإنما يجب معاقبته في الدنيا ليكون عبرة لمن يفكر في أن الحرية هي أعظم الفضائل في التاريخ الإنساني .. أما المشترك الخامس بين الجميع فيظهر في الحرص علي أن يكون للحاكم ميليشيات مدججه بالأباطيل ليواجهوا بها صيحات المطالبين بالحق والعدل والحرية .. هذه الميليشيات أخذت أشكالا كثيرة من عهد محمد علي الي لحظتنا الراهنة .. زمان كان رجالها في الغالب من البصاصين ووجهاء الباطل - أما اليوم فهم كتائب إعلامية ورجال أعمال وجحافل من المخلصين لثقافة التملق ونخب اختار أهلها أن تنتفخ جيوبهم وتموت عقولهم وتتعفن ضمائرهم ..

مصر حتى اللحظة تحاول أن تفيق من غيبوبة طالت بأكثر مما يحتمل الواقع والزمان   ، وأتصور أننا كمصريين نمر بأخطر منحنى تاريخي يهدد وجودنا لأننا أمام أسئلة تبدو أحيانا مستحيلة تتعلق بهوية المكان والعقل .. تتعلق بشرعية الحكم ومستقبله .. تتعلق بتحالفات طالت باسم الإخوة والدم ولم تأت لنا إلا بالتخلف والهم .. تتعلق بثقافة الغاطس منها في ظلمات الغيب والجهل أكبر وأعمق من الظاهر الخادع بسرابيته .. أسئلة تضربنا أحيانا كموج البحر وتلقي بنا علي شواطيء الحيرة جثثا هامدة وعقولا خامده .

 أما السؤال الذي يمكن الإجابة عليه - من المسئول عن هذه التراجيديا السوداء ؟ اعتقد أن كل من حكموا مصر المعاصرة من محمد علي الي لحظتنا الراهنة مسئولون عن الحالة التي نحن عليها لأن أحدا من قرابة عشرين حاكما تعاقبوا علي حكم مصر لم يغرد خارج اسوار ذلك السجن الكبير الذي يقف علي بابه ، لقد تركنا الجميع دون اكتراث نفقد  أعمارنا وآدميتنا ولا يتبقي لنا من حق إلا كلام أقرب للهذيان نستغني به عن أبسط صور الحرية والعدالة واحترام الذات ، وحين يموت الواقع تنتحر المعاني .

[email protected]