ضربة قلم
هذه بضاعتنا ردت إلينا
لم تصدمنى براءة مبارك فقد كنت أتوقعها منذ بدء محاكمته. المقدمات الصحيحة تأتى بالنتائج الصادقة وإرهاصات محاكمة مبارك كانت كافيه للتنبؤ بنتائجها. مبارك وقف علينا بخسارة منذ تولى رئاسة مصر. فى عهده تم تزوير الانتخابات وتمكين الإخوان وتدهور التعليم وانتكست الصحة وزادت الأمية وانتشر الفقر. وأكلنا الفراخ بالسالمونيلا وعرفنا المبيدات المسرطنة والخضراوات والفاكهة المروية بمياه الصرف الصحى. ونفقت الأسماك وانتشر الفساد وخربت الذمم وماتت الضمائر.. فى عهده تحولت أراضى مصر إلى إقطاعيات لذوى الحظوة والنفوذ، وأصبح الاقتصاد المصرى نهيبة بعدما تعرضت مصانع القطاع العام لأكبر عملية قرصنة من جانب حفنة من رجال الأعمال وبيعت «فطيس» بدعوى الخصخصة. فى عهده يا أبناء مبارك وأتباعه عرفنا وزراء أمضوا فى مناصبهم قرابة ربع قرن من الزمان ما أدى إلى غياب الصف الثانى وتجمدت دماء المجتمع وأصابت الشيخوخة الجهاز الإدارى وشاخ الشباب قبل أوانهم.. هو من سمح للجمعيات الحقوقية والتمويل الأجنبى بشراء الذمم والولاءات وتهديد مصر بأكبر مخطط للتقسيم. مبارك كان قاب قوسين أو أدنى من توريث ابنه حكم مصر. ولأننا لا نجرد أحداً من مزاياه حال الخلاف معه فإننا لا ننسى أنه صاحب الضربة الجوية فى حرب أكتوبر. ولكن مبارك القائد العسكرى بمزاياه لن يدارى سوءات مبارك الرئيس وخطاياه.. فى قضية قتل متظاهرى الإسكندرية فاجأ المستشار محمد إسماعيل عطية رئيس محكمة الجنايات الجميع بقوله «إن مبارك ونظامه كان يجب أن يحاكموا أمام محكمة ثورية وكان يجب أن تضم جميع قضايا قتل المتظاهرين فى أنحاء الجمهورية قى قضية واحدة لارتباط الموضوع أما هذا التشتت فنحن مضطرون للتعامل معه كما هو». من المسئول عن هذا التشتت الذى أدى لإفلات مبارك من الحساب والعقاب فى العديد من القضايا؟ الإجابة تبدو واضحة جلية حين أعلن ممثل النيابة فى جلسات محاكمة القرن رفض الأجهزة الأمنية التعاون معها وتقديم الأدلة التى تدين مبارك وهى بالمناسبة نفس الأجهزة التى تسابقت وأعدت أدلة إدانة مرسى. وعندما تم نقل مبارك لسجن طرة قال غاضباً «إحنا ما اتفقناش على كده»، ولم تستوقف هذه العبارة أحداً ليسأل مبارك انت اتفقت مع مين واتفقتوا على إيه؟!. لماذا فشل الإسكندر الأكبر فى تأليه نفسه فى موطنه ببلاد الإغريق ونجح فى مصر؟ سؤال أجاب عنه المؤرخ ول ديورانت بأنه كان من المحتمل أن يغضب المصريون لخروجه عن السوابق المقررة عندهم. المصريون هم من خرجوا عن بكرة أبيهم رفضاً لتنحى الرئيس عبدالناصر بعد هزيمة يونيو، وبعد ثورتين وسقوط نظامين لا تزال الجينات الوراثية تجعل البعض يحن إلى الاصطفاف فى طابور الخضوع ويحتفى ببراءة مبارك.. القط يحب خناقة.. مثل مصرى مأثور وواحد من أعطاب الشخصية المصرية، لذلك كنا نستحق حكامنا فى أغلب فترات تاريخنا. ثورة يناير أفرزت اسوأ ما فينا ومبارك كان أشبه بغطاء بالوعة ما أن خلعناه حتى طفحت على مصر بخراء الفوضى والجشع والخيانة والانتهازية والفساد.. يا سادة لماذا الشعور بالإحباط والصدمة؟ فهذه بضاعتنا ردت إلينا.