ضربة قلم
العيش والملح
خليه ياكل عيش.. ده ما كانش عيش وملح.. هان عليه العيش والملح. تلك العبارات كانت مفردات للحوار اليومى للمصريين والذى لا يخلو من القسم بـ«عليه النعمة أو وحياة العيش والملح» ثم يقطع أحدهما رغيف العيش نصفين ويضعه على عينيه المغمضتين ويحلف بما يريد وينبغى على الطرف الآخر أن يصدقه لما لهذا القسم من قدسية ومصداقية.. كان اقتسام اللقمة بمثابة عقد وعهد من الصعب مخالفة بنوده أو حل أواصره ولو حدث لاستوجب الاحتقار ووصم المخالف بالخيانة وعدم الرجولة.
مصر البلد الوحيد الذى يطلق كلمة «العيش» التى تعنى الحياة على رغيف الخبز. فى الماضى وحتى فترة السبعينيات من القرن الماضى كان لكل مخبز عربة بحصان تمر على البيوت وتبيع لها «الراتب» أى احتياجاتها من الخبز. وكان من حق هذه الأسر إعادة ما تبقى لديها من الخبز (الرجوع) للمخبز، والخبز الرجوع يباع بسعر أرخص ويستخدم فى طعام البط أو صناعة مشروب (البوظة) المسكر، ده كان ثمن الرغيف الطرى «خمسة مليمات» والرغيف المفقع أو الملدن بـ«قرش صاغ». لا أنسى حين نهرني أبى رحمه الله وأنا فى المرحلة الابتدائية لأننى اشتريت رغيف عيش من السوق فقد كنا نتناول الخبز البلدى من صنع يدى أمى رحمها الله. أما الملح فقد استخدمه المصريون القدماء فى الطعام والتحنيط واستعمله السحرة لطرد الأرواح الشريرة ومنع الحسد.. لدينا عين الصيرة أى عين المياه المالحة وأم المطاهر كانت ترش الملح سبع مرات لأن المصرى القديم لم يكن يسجل المولود فى بيت الحياة إلا بعد مرور سبعة أيام، والملح أساس صناعة الفسيخ والرنجة والطرشى والسردين، ويعنى المثل القائل «دى قارشة ملحتها» إنها كاشفاها.
أما الفلكلور الشعبى الذى يقول «ياللى ع الترعة حوّد على المالح» فإنه يشير إلى فتيات البر أصحاب شخصيات قوية بينما فتيات الترعة طيبات ومسالمات، وكانت الحكومة العثمانية تفرض ضرائب على جميع البضائع ما عدا الملح فكان التجار العرب إذا مروا من نقاط التفتيش يقولون «طز يا فندم» أى لا يوجد معنا سوى الملح، ولكن بمرور الوقت تحول الملح أو الطز إلى لفظ يستخدم للسخرية من المفتشين الأتراك ثم للدلالة على عدم المبالاة عمدا، العيش والملح لم يكن مجرد مكونات لوجبة المصرى الفقير بقدر ما كان فضيلة يستمسك بها المجتمع وقيمة يتباهى بها صاحبها دليلاً على الوفاء وعنواناً للشهامة والإخلاص والرجولة، العيش والملح ركيزة الصداقة والصدق.. كلمة شرف وضمير حى فى مواجهة فساد الذمم وخراب النفوس.
هل نحن مازلنا بحاجة لأن نأكل معاً وتتجدد فينا هذه القيم النبيلة أم أن نويانا تغيرت وأخلاقنا تبدلت وتساوى لدينا أن نأكل عيشاً وملحاً أو ساندويتش هامبورجر؟.. وداعا للوفاء.