بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

البودى جارد الإعلامي

 

«أنا تربية شوارع».. «أنا لو اتكلمت هطلع لك بلاوى»؟! «المستندات اللى تكشف وساختك عندى»؟!! «أحسن لك تتلم وإلا أفضحك»...

هذه عينة من حوار على الهوا استمر على هذا النحو لأكثر من خمس دقائق، طرفاه اثنان ممن يسمونهم «نجوم الفضائيات المصرية»، وهذه العبارات هى الأكثر تهذيباً مما تبادله «النجمان» من سباب وشتائم واتهامات طالت الذمة المالية، وتلميحات لانحرافات أخلاقية لم تقتصر على شخصى النجمين بل تجاوزتهما إلى الأسر والأهل؟!

وقد حاول أحد المشاركين فى البرنامج تهدئة «النجمين» لعدة دقائق، لكن حرارة الصراع لم يتمكن الرجل من وقف سيل الشتائم والسباب المتبادل بين النجمين؟!

هذه الواقعة ليست حالة شاذة، لكنها حالة متكررة وأبطال مثل هذه الحالات هم ممن يطلقون عليهم «نجوم الفضائيات»، ورغم أن عدداً معقولاً من «نجوم الفضائيات» يؤدى دوره بطريقة محترمة ويحرص أشد الحرص على استخدام أكثر الأساليب تهذيباً، فإن هذا العدد المحترم من «نجوم الفضائيات» ضئيل، بينما تنتمى الأغلبية لنجوم الردح والسباب سواء وجهوا السباب والشتائم لكل من يخالف «أسيادهم» فى الرأى أو اشتبكوا فى حفلات الشتائم والسباب مع بعضهم وهم يتنافسون ليثبت كل منهم «لسيده» أنه الأكثر وفاء له، وأنه الأقدر على أن يتولى مهمة «البودى جارد الإعلامى».

فئة «البودى جارد الإعلامى» فى تصورى هى أحد أهم عناصر الأزمة الخطيرة التى يعانى منها الإعلام المصرى.. ورغم ذلك فإن هذا العنصر على خطورته لا يتطرق أحد بالحديث عنه خشية أن يناله نصيب من شتائم وبذاءات هذه الفئة، وأى أنه قد آن الأوان ليدرك كل من يتصدى للحديث عن أزمة الإعلام المصرى، أن عدم التعرض بحديث صريح عن هذا العنصر سيبقى كل الحلول المقترحة لعلاج أزمة الإعلام المصرى حلولاً ناقصة، بل قد يجهض كل الجهود التى تبذل لعلاج باقى عناصر أزمة الإعلام المصرى.

إذا كنا نؤمن بأن الإعلام «رسالة»، وأن جذب أكبر عدد من القراء أو المستمعين للإذاعة أو مشاهدى التليفزيون، وجذب أعداد كبيرة لمتابعة هذا الإعلام ليس هدفاً فى حد ذاته، وإن الإعلام ليس نشاطاً عبثياً مهمته تقديم محتوى يسلى الجماهير بكل ما هو تافه لقتل الوقت، فمعنى هذا بوضوح أن الإعلام المصرى لا يعانى من أية أزمات لأنه فى معظمه يقوم بهذه المهمة.

أما إذا كنا نؤمن بأن جذب النسبة الأكبر من القراء أو المستمعين أو المشاهدين هو «وسيلة» لتقديم رسالة تنوير لتطوير المجتمع، وإقناع الجماهير بأهمية الالتزام بالقيم الراقية فى التعامل مع الآخر، وترقية أذواق الجماهير حتى تنفر من كل ما هو «قبيح» وتستمتع بكل ما جميل فى إطار من السلوك الأخلاقى النبيل، ونعلى فى نفوس الجماهير من قيم المواطنة والإخاء الإنسانى. إذا كنا نؤمن بأن هذه هى رسالة الإعلام فعلينا أن نتوقف طويلاً أمام ظاهرة «البودى جارد الإعلامى» هذه باعتبارها من أكثر العناصر التى سببت أزمة الإعلام المصرى.

هذه الرسالة السامية لا يمكن بحالة أن يقدمها من يستخدم أساليب منحطة ليهاجم من يختلف مع أسياده أو مع شخصه، ومن تتلطخ سمعته الشخصية بما يفقده الاحترام، فالجماهير التى تتلقى الرسائل الإعلامية تتعامل مع الرسائل الإعلامية بمنطق الارتباط الوثيق بين مضمون هذه الرسائل وبين شخصية من يتولى تقديم هذه الرسائل.

فلن يستطيع أى إنسان مهما أوتى من قدرة على استخدام العبارات الرنانة، لن يستطيع أن يقنع الجمهور الذى يتمتع بحس سليم بأن يصدقه ويقتنع برسالة يقدمها من عرفت الجماهير مدى التشوه الأخلاقى الذى يلحق به.. فإذا طبقنا هذا المعيار على ما ذكرته من وقائع تتعلق بالانحدار الأخلاقى لفرق «البودى جارد الإعلامى» فسوف نراها على هذا النحو.

عندما تشاهد الجماهير حفلة السباب والاتهامات المتبادلة بين بعض نجوم الفضائيات فسوف ترى الأمر على صورة من ثلاث صور.

أولاها: أن أحد الشخصين «كاذب» وأن الآخر يحاول الدفاع عن نفسه بنفس أسلوب الطرف الآخر. ومعنى هذا أن المستمع أو المشاهد سوف يرى أن أحد الطرفين كذاب، وأن الطرف الآخر شتام وكلاهما «الكذاب» و«الشتام» لا يمكن أن يكسبا احترام مستمع أو مشاهد. ومعنى هذا أن هذين «النجمين» فقدا العنصر الأساسى الذى يجعل الجماهير تثق فيهما.

ثانيهما: أن الطرفين صادقان، وأن كل منهما ملطخ بعار الانحرافات الأخلاقية التى تفقد صاحبها كل اعتبار وتدفع جماهير المستمعين والمشاهدين لعدم تصديق كلمة مما يقول.

ثالثهما: إن كلا الشخصين ليس لديه حجج أو منطق يؤيد وجهة نظره فى أى موضوع خلافى فيلجأ كل منهما إلى هذا الأسلوب من السباب. من هنا تتعامل الجماهير معهما على أساس أنهما لا يملكان معلومة حقيقية، وأن لجوءهما لهذا الأسلوب المنحط تغطية لهذا الجهل.

أعلم أن أصحاب الفضائيات الخاصة لن يفرطوا فى هذه النوعية من فرق «البودى جارد الإعلامى»، ولهذا فإننى أعتقد أن أزمة الإعلام المصرى ستظل قائمة حتى إذا تم علاج باقى عناصر الأزمة.

الحل أن يكون المجلس الأعلى للصحافة والإعلام المفترض تشكيله لديه الشجاعة - وأكرر - الشجاعة، ليتصدى لهذا العنصر الخطير والمحورى فى أزمة الإعلام المصرى.