بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الحب الضائع

هل أحببنا مصر شعبًا وحكامًا مثلما غنينا لها؟ سؤال طرحته على نفسى قبل ثلاثة أيام من الذكرى السادسة لثورة الخامس والعشرين من يناير، والتى شاركت فيها من أول لحظة بإيمان وحب وأمل لا حدود له فى التغيير وعشت ربما أروع ثمانية عشر يومًا فى عمرى كله بميدان التحرير وسط آلاف من المصريين الذين تحركوا بنفس الأفكار والمشاعر تقريبا.

وقتها كنت فى منتصف الخمسينيات من عمرى، وعشت الحالة الثورية بعاطفة شاب فى العشرين، واليوم وبعد ست سنوات عندما أتأمل الحدث ودوافعه ونتائجه أدرك أننا تحركنا فى 25 يناير 2011 تحت وطأة حالة من الجمود والتكلس، استمرت ثلاثين عامًا كبرنا خلالها ألف عام وشاخت أمامنا الأحلام وشعرنا حيالها بالعجز وقلة الحيلة.. سقط النظام وانسحب الرئيس الأسبق حسنى مبارك من المشهد عندما أدرك أن الشرعية الحقيقية فى الدولة انتقلت لميدان التحرير والكلمة هناك.

عند هذه اللحظة تحديدًا بدا واضحًا أننا نحن العاشقين الصائحين لم يكن لدينا مشروع واحد للحب - فقط كنا نملك قوة الصوت وإرادة التحدى وكسرنا كل أصنام الخوف.. التقيت فى الميدان بكل ألوان الطيف السياسى والثقافى والعلمى والفنى والدينى، وانصهر الكل فى حالة عشقية كانت أقرب لما يمكن أن أسميه «حالة من الصوفية الثورية».. أما مصر التى سكنت المشاعر وتغنينا بها ولها فإنها بدت مثل فتاة جميلة حبسها أبوها داخل عقله وسجنها داخل ضعفه وظلت ثلاثين عاما ترى شارع الحياة من نافذة ضيقة.

 سقط الأب وتحررت البنت ولأول مرة تخرج للشارع وتتجه للميدان وبانتظارها ألف ألف عاشق انتظروا قدومها ولما وصلت مرت عليهم جميعا وسألتهم - ها أنا مصر جئتكم، أنا مصر التى غنيتم لها وكتبتم عنها وهتفتم باسمها - ما هو مشروعكم بعد؟ لقد انتشيتم بثورتكم وحان الآن وقت الحقيقة - هل لديكم حقيقة؟ هل من بيت جديد نسكنه معا؟ هل من طريق يدلنا على المستقبل؟ هل من نظام جديد يكتب لى ولكم تاريخًا مختلفًا عن كل ما مضى؟ هل أنتم مخلصون لقضية واحدة اسمها الحرية والعدالة والعيش الكريم؟ هل ستنشرون عطر محبتكم خارج الميدان أم أن الميدان هو الآخر ليس أكثر من سجن كبير كان لا بد أن تذوبوا بداخله ويوحدكم خطر اللحظة وليس وضوح الرؤية وسلامة الغايات؟

 سألتنا مصر جميعا.. سألت النخب وسألت عابرى السبيل والمؤمنين والملحدين ولم يجبها أحد وتفرق الكل من حولها وبدأت المسافات فى البعد وانفض الميدان كما ينفض أى سامر لتجد الفتاة الجميلة نفسها وحيدة ترتعش من الشعور ببرودة الشتاء والمشاعر والأحلام.. الحقيقة أننا ومع الذكرى السادسة ما زلنا نغنى ونتحدث عن الحب ونتنافس فى إثبات صدق مشاعرنا تجاه البنت الغلبانة التى تركناها بمفردها تعصف بها نوائل الزمن ويترصدها اللصوص وتجار الأوطان والأديان وسماسرة المبادئ ويتحرش بها من هو خارج الحدود ممن كانوا يوما يتمسحون بحذائها ويتسولون على بابها ويتشرفون بالانتساب لإقليمها.

نحن اكتفينا بالغناء ولا نزال بكل مكوناتنا نغنى ولا نسمع إلا أنفسنا، ومتى كان الغناء يحرث أرضًا أو ينبت زرعًا أو ينجب ولدًا.. أروع الغناء الذى نشدو به بعد البناء وبعد الولد والسند.. أروع الحب هو ما نفعله وليس ما نقوله.. وأروع حرية التى نعيشها لا التى نصفها.. 25 يناير 2011 تاريخ لن يموت وشاهد على أنه باستطاعتنا أن نحب ولكننا وبرغم مشكلة الانفجار السكانى عاجزون عن أن ننجب لمصر تاريخًا مشرفًا من التقدم والحرية والعدالة.

[email protected]