بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المال.. والإعلام

 

الإنسان الموهوب والمثقف هو وحده القادر على تحقيق الأهداف الطبيعية للإعلام إذا كنا نرى أن الإعلام نشاط إنسانى­­ هدفه تقديم المعلومات والمعارف الموثوقة، والأخذ بيد الجماهير لارتياد آفاق التقدم والاستنارة فى مختلف المجالات.

إذا اتفقنا على هذا، فإننى أرى أن حالة الهوس الإعلامى التى نعيشها الآن فى مصر التى تعتمد على «قوة المال» وقدرة الملايين من الجنيهات على تقديم إعلام مؤثر ولا أقول حتى إعلام محترم، هذه الحالة من الهوس الإعلامى ليست أكثر من فقاعات ضخمة ذات ألوان مبهرة، لن تلبث أن تذروها موجات الرياح، فتنتهى دون أن تترك أثراً.

وحتى لا ندور فى دائرة من الحوار النظرى المؤيد أو المعارض لهذا المنطق، فإننى أتصور أن نتائج التجارب العملية التى شهدها العالم العربى يمكن أن تقدم الدليل الحاسم الذى يؤيد هذا الرأى أو ينفيه.

على الصعيد السياسى، لو عدنا إلى ستينات القرن الماضى وتابعنا الحروب الإعلامية التى خاضتها أنظمة الحكم العربية ضد بعضها، فسوف نرى أن بعض هذه الأنظمة أنفقت مليارات الدولارات لشراء إعلاميين، أسماؤهم اللامعة كفيلة بجذب الجماهير لمتابعتهم، وقد عايشت هذه التجربة عن قرب فى تلك الفترة وكانت الإمكانيات المادية لمصر لا تسمح لها بمنافسة متكافئة مع أنظمة الحكم العربية وغير العربية التى تناصب نظام الحكم المصرى عداء عنيفاً.

اعتمد نظام الحكم فى مصر على إعلام الدولة الإذاعى والتليفزونى، وعلى مؤازرة بعض الإعلاميين اللبنانيين للدفاع والهجوم، وكانت النتيجة تفوقاً كاسحاً للإعلام المناصر لمصر.

كان السر أن القوى التى تهاجم نظام الحكم فى مصر، تدفع بسخاء وتختار من تلمع أسماؤهم فى سماء الصحافة والإعلام المرئى والمسموع، لكن هؤلاء منحوا من يدفع ما أراد من بضاعتهم بعض النظر عن اقتناعهم بما يقدمون، وكان هؤلاء على استعداد فى أى وقت لتغيير ولادتهم من النقيض إلى النقيض تماماً عندما يتقدم الخصم لدفع مبالغ أكبر، بينما اعتمد النظام المصرى على شخصيات تؤمن بتوجهاته السياسية، وكان الإنفاق المصرى هزيلاً إذا قورن بما ينفقه خصومه، ورغم ذلك كان تأثير الإعلام الموالى والمدافع عن النظام المصرى أعمق وأقوى آلاف المرات من تأثير إعلام الخصوم الذى يحظى بإنفاق مالى بالغ السخاء.

هذا على مستوى الصراع الإعلامى الذى كانت لينال تمثل يومها المركز الرئيسى لهذا الصراع، فإذا عدنا لمصر فى تلك الفترة، فسوف نرى الأثر الهائل للإذاعة والتليفزيون ليس فقط داخل مصر، بل على مستوى الوطن العربى كله.

كانت الإذاعة والتليفزيون فى مصر شديدة الفقر فى الإمكانيات المادية وفى التجهيزات، لكن هذا الإعلام المرئى والمسموع كان شديد الثراء بعدد هائل من الإعلاميين أصحاب القدرات الفنية والثقافية والفكر المستنير.

صنع هؤلاء من الفسيخ شربات، كما يقول المثل المصرى وقدم كل منهم الرسالة الفنية والثقافية والسياسية التى يتقنها وذلك فى ظل مناخ من التضييق العنيف على الحريات عامة، وعلى حرية الرأى بشكل خاص.

ولأن هؤلاء الإعلاميين جميعاً أو لنقل النسبة الغالبة منهم التحقوا بالإعلام المرئى والمسموع قادمين من الجماعة الثقافية بمختلف فروعها، فقد استطاعوا أن يقدموا الأعمال المحترمة والقادرة على كسب ثقة الجماهير، وجذبهم لمتابعة ما يقدمون.

ويكفى أن أذكر بعض الأسماء التى لم تزل حتى اليوم وبعد مرور عشرات السنين لم يزل تأثيرها باقياً ولم تزل الجماهير تشعر بالحنين لاسترجاع أصواتهم وصورهم.

هؤلاء صنعوا مجد الإعلام المصرى، منهم بابا شارو «محمد محمود شعبان، عبدالوهاب يوسف، أنور المشرى، ناصر توفيق، صفية المهندس، آمال فهمى، سامية صادق، حسنى الحديدى، جلال معوض، صلاح زكى، فاروق خورشيد، محمد حسن الشجاعى (المايسترو) عبدالحميد يونس، أول رئيس للتليفزيون، أحمد فراج المأمون أبوشوشة، سلوى حجازى، ليلى رستم، فضيلة توفيق، أميمة كامل، سميرة الكيلانى، همت مصطفى، فهمى عمر، وحمدى قنديل.

أخشى إذا أردت أن أذكر كل من ساهم فى صناعة مجد الإذاعة والتليفزيون أن أكون بحاجة إلى عشرات الصفحات.

لكن يبقى أن أفرد مكاناً خاصاً لأحمد سعيد منشئ ومدير صوت العرب فى عصره الذهبى.. تتفق أو تختلف مع أحمد سعيد، لكن أى منصف لا يمكن بحال أن ينكر التأثير الطاغى لأحمد سعيد، على الجماهير العربية، فى جميع البلاد العربية، خاصة فى ظل الظروف التى كانت سائدة أيام تألق أحمد سعيد.

أردت بهذه الرحلة فى الزمان والمكان أن أقدم الدليل العملى على أن المال لا يصنع وحده إعلاماً محترماً وجذاباً ومؤثراً، وأن مفتاح النجاح الحقيقى فى كل نشاط إعلامى هو الإنسان المثقف والموهوب وصاحب المواقف التى تجعله محل احترام الجماهير حتى إن اختلفت معه.

هذه الخواطر حركتها ظاهرة الهوس الإعلامى الذى يكتسح الساحة الإعلامية هذه الأيام خاصة فى مجال الفضائيات، هذا الهوس الذى يتصور أصحابه أن كسب ثقة الجماهير وبالتالى التأثير فيها مرهون بحجم رأس المال الذى يتدفق على الفضائيات، ولأن الجواب بيبان من عنوانه، كما يقول المثل العبقرى، فسوف تذهب هذه المليارات أدراج الرياح دون أن تحدث أثراً له قيمة فى الجماهير التى يمكن أن تتابع ما يبث من باب الاستماع ببعض ألوان الترفيه لا أكثر.