بدون رتوش
المأزق
كثيرون يراودهم الأمل فى أن تتمكن المملكة السعودية من الخروج من دائرة المأزق الذى وضعت نفسها فيه عندما خرجت عن نطاق الشرعية، وتزعمت حملة القصف الجهنمية على اليمن منذ 26 مارس 2015 فى محاولة منها للهيمنة على المنطقة، ولم تجن شيئاً سوى الفوضى والغليان، ناهيك عن الوضع المأساوى الذى حل باليمن السعيد فأضحى تعساً حزيناً مريضاً، وبالتالى فشلت السعودية فى إحراز وضع يؤهلها لأن تنجح فى تحقيق حلم الهيمنة على المنطقة، ولم يأت هذا من فراغ بل تسببت فيه بممارساتها غير المدروسة فى المنطقة، فجاءت كل تحركاتها لتثبت عن حق تورطها فى مجموعة أخطاء، وهو ما كشف عنه موقع «ويكيليكس» فى عام 2014 عبر تسريب عن «هيلارى كلينتون» تتحدث فيه عن تنافس السعوديين والقطريين على الهيمنة على العالم السنى، أما جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانى «بى إن دى» BND، فخرج بمذكرة فى 2015 تقول: «إن الموقف الدبلوماسى المتحفظ لأعضاء الأسرة المالكة السعودية الأكبر سناً قد تم استبداله بسياسة مندفعة وهى السياسة التى قادها محمد بن سلمان».
ولقد صدق حدس الجهاز الألمانى، بيد أنه لم يتوقع السرعة التى ستشهد فيها السعودية هزيمة تطلعاتها على كل الجبهات التى خاضت فيها التجارب وأولاها تدخلها فى سوريا، وهو تدخل غير مباشر، حيث إنه تم عبر دعمها للفصائل المسلحة التى تحارب النظام السورى من أجل إسقاطه، وشاء المولى عز وجل ألا يحدث هذا عندما انتصر الجيش السورى وحصد «بشار» المكاسب فى حلب وحلت الخسارة بحلفاء السعودية شرقى حلب، أما التجربة الثانية فجاءت عندما شرعت السعودية بالتدخل المباشر فى اليمن عبر آلتها العسكرية التى تمارس القصف اليومى على المدينة، ورغم ذلك فشلت حتى الآن فى تحقيق أى نصر، فلم تلحق الهزيمة بالحوثيين وحليفهم على عبدالله صالح رغم مرور اثنين وعشرين شهراً على حملة عاصفة الحزم، والتى لم ينجم عنها سوى الأزمة الإنسانية التى جعلت أكثر من 60% من سكان اليمن البالغ عددهم نحو 25 مليوناً يعيشون شبه مجاعة، وهو ما أدى بدوره إلى تفاقم الظروف الصحية للسكان مع انعدام فرص الحصول على خدمات صحية ملائمة، هذا فضلاً عن أن الأوضاع المتردية سياسياً وعسكرياً فى اليمن ساهمت فى انتشار الكوليرا.
إنها السياسة الدفاعية غير الواعدة التى كبدت المملكة تكلفة باهظة خاصة فى الحرب على اليمن، والتى فشلت فى تحقيق أهدافها الاستراتيجية، مما أدى إلى حدوث الكارثة الإنسانية التى حلت باليمن، وبات من غير الواضح حتى الآن كيف يمكن للمملكة إنهاء هذه الحرب؟.
فى الوقت نفسه لا يزال تحقيق الأهداف الأساسية للأمن القومى بعيدا وهو ما دفع بموقع «فورين آفيرز» Foreign Affairs إلى أن يقول منبهًا: «إن محمد بن سلمان يواجه أصعب المشاكل فى بلاده خلال هذه المرحلة المبكرة فى حياته السياسية، حيث يحاول أن يقود حملة لتغيير شامل فى المملكة، ولكنه يضع كل شىء على المحك بسذاجة، ويتحرك بسرعة كبيرة لا سيما فيما يتعلق بالشئون الاقتصادية والثقافية بصورة من شأنها أن تهز أسس العقد الاجتماعى فى المملكة، وتعكس بالتالى ضخامة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التى تواجهها والتى تتطلب قدراً من التحول، وهو ما يؤدى حتماً إلى درجة من عدم الاستقرار».
ويظل الأمل معقوداً على رجاحة وحكمة وحنكة خادم الحرمين الشريفين «سلمان بن عبدالعزيز» عاهل المملكة العربية السعودية للخروج من المأزق الراهن.