على فكرة
«ذكاوة» جلب الأعداء
يقولون إن الفنون جنون، ومن بين جنونها وصف النكد بأنه فن، وفن التملق وفن اللعب على الحبال، وفن اللوع الذى وصفه عمنا صلاح جاهين أنه أكبر كتاب فى الأرض، وفن الفهلوة والنفاق والنصب والاحتيال، وغيرها من الأساليب السلوكية المنحرفة التى يتقنها عديمو المواهب وراغبو الصعود الاجتماعى السريع بلا إمكانيات ولا كفاءات، والمحتالون، وغيرهم ممن يطلق عليهم العامة «ايدهم ضيق» الذين يلجأون إلى بعض تلك الأساليب للتحايل على ظروفهم المعيشية الصعبة.
كنا فى مقتبل حياتنا نتداول فيما بيننا كتاباً بعنوان – إذا لم تكن الذاكرة قد خانتنى – «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر فى الناس»، وهو كتاب طبع منه عدة طبعات، وتم ترجمته إلى كثير من اللغات، ووزع نحو 17 مليون نسخة، لأنه ينطوى على نصائح للبشر تعتمد على نظريات حديثة فى علمى النفس والاجتماع، الهدف الرئيسى منها إسعادهم، عبر سرد الطرق التى استقاها العلماء من دراسة عميقة للنفس الإنسانية، التى تجلب لهم محبة الآخرين وثقتهم، وتمنحهم سلاماً مع النفس ومع الآخر. وفى حدود علمى لم أعثر بعد على كتاب فى مكانته، عن فن صناعة الأعداء، وجذبهم واستثارتهم، لا سيما أنها صناعة قليلة التكلفة، ولا تحتاج إلى الثقافة والخبرة والمعرفة، بل هى تحتاج فقط إلى بوق فخور بجهله، يؤلب الجميع على الجميع، بزعم حماية أحدهم من مخاطر الآخر، فيغرق الطرفان معاً فى أوحال يصعب تجنبها، وهو سعيد بما يعتقد أنه إنجاز لمهمة وطنية سرية غير معلن عنها!
من الطبيعى أن تنطوى حياة الأفراد والأمم على عداوات وخصوم وثأرات، لكن من المدهش أن يتفرغ أى منهم لصناعتها وجلبها جلباً، فلا علاقة لذلك فى ظنى بالفن، بل هو وثيق الصلة بضعف الإدراك والبلاهة وقلة الخبرة ونقص الذكاء وافتقاد البصيرة وغيبة الادراك، والحماقة التى طالما أعيت من يداويها. ومن البديهى أن انعكاس ذلك على الفرد يشكل ضرراً عليه وحده، أما تأثيراته السلبية على الأمم والدول فلا حدود له ولها.
ومثال واحد على ما جرى على الساحة السياسية فى مصر خلال الأيام الماضية، وما زال يجرى، يحمل فى وقائعه وتوقيته ما يدعو للقلق على مستقبل هذا البلد، والخوف من الساحة المشهرة للمعارك الطائشة فى كل الاتجاهات، التى لا جدوى منها، غير تعضيد جبهة الخصوم، وتوسيع دائرة الأعداء، وتقوية مناخ التشوش والإرباك السائد فى المجتمع. والحملة الواسعة النطاق على الدكتور محمد البرادعى، مثل من بين أمثلة أخرى على فقدان العقل السياسى الرشيد، لأنها ببساطة فتحت من الأسئلة ما يصعب معه أمام الرأى العام المصرى الصمت عن الإجابة عنها. فإذا كانت الأجهزة المعنية بأمن الوطن تمتلك هذه المعلومات التى تثير الريب حول دور الدكتور البرادعى، فلماذا سمحت بتقلده منصب نائب رئيس الجمهورية فى الفترة الانتقالية التى تولاها المستشار عدلى منصور؟ ولماذا استدعته أصلاً لكى يكون شاهداً على المبادئ التى أسفرت عن ثورة 30 يونيو؟ وإذا ما كان ما يروجه الإعلام الإخوانى والغربى والإسرائيلى صحيحاً، أن الحملة على البرادعى تزامنت مع إعلان عزمه على العودة للحياة السياسية، وأن النظام المصرى يخشى من ترشحه فى انتخابات رئاسية مقبلة، فإن الهلع والذعر والشعور بالخزى وجرح الكرامة لابد أن يتملك كل منا وهو ينصت لتلك التفسيرات لتوقيت إطلاق هذه الحملة. فالرسالة التى يحملها هذا التفسير الذى يبدو منطقياً لكثيرين، لا معنى لها سوى أننا بتنا فى دولة ضعيفة هشة مرتعشة، ونظام يفتقد الثقة فى النفس، لا يسمح فقط بألعاب صغيرة، تحط من مكانة الدولة التى يدير شئونها، بل أيضاً يمنح فرصة ذهبية لتوحد قوى الإخوان المنقسمة على نفسها حول شخص البرادعى مرة أخرى، باستغلال علاقاته الدولية الطيبة والمؤثرة، لمواصلة مناوأة النظام المصرى.
يقول المتنبى: إذا كانت النفُوُسُ كباراً.. تعبتْ فى ُمرَادِها الأجْسامُ
ولعل حكمة المتنبى تصل لمن يعنيهم الأمر!