بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على الهوا

الصلاة.. والعمل

عندما نتحدث عن التقدم الذى حققته اليابان ودول شرق آسيا نباهى بأن هذه الدول كانت ترسل البعثات إلى مصر لتنقل لهذه الدول الخبرة المصرية التى جعلت مصر أكثر تقدما منها.

هذه الحقيقة تحتاج وقفة نتعرف فيها على سر تقدم مصر بدرجة أكبر من تلك الدول فى منتصف القرن الماضى وكيف انقلبت الآية وأصبحت هذه الدول تسبقنا بمسافات شاسعة.

أعتقد أن المشكلة تكمن فى موقف المواطنين من «قيمة العمل» بيننا وبينهم، وأعلم أن هذا السبب ليس اكتشافا توصلت إليه بل هو سبب يتداوله كل من يتصدى لهذه القضية.

لكننى أزعم أن بعض المظاهر المهمة لهذا السبب تمثل فى نظر الكثيرين ممن يتعرضون لهذه القضية «حقل ألغام» شديد الخطورة يخشون اقتحامه. وعندما أتعرض بالتفصيل اليوم لهذا السبب فإننى لا أزعم أننى امتلك شجاعة استثنائية، لكننى أقرر أننى أقدمت على اقتحام حقل الألغام هذا «كمسلم» يريد أن يبرئ ذمته أمام الله بأنه لم يكتم شهادة كان عليه أن ينطق بها.

أحد أهم مظاهر عدم احترام قيمة العمل الظاهرة التى تفشت بعد هزيمة 1967، وبدأت على استحياء ثم انتشرت بسرعة مذهلة لتصبح الظاهرة الأكثر وضوحا فى مواقع العمل المختلفة.

الظاهرة التى أعنيها هى «صلاة الجماعة» التى يؤديها العاملون فى العديد من المؤسسات خاصة المؤسسات الحكومية والتى تشهد طرقاتها حشدا من العاملين يؤدون صلاة الجماعة أثناء مواعيد العمل خاصة صلاتى الظهر والعصر لحلولهما فى أوقات العمل الرسمية.

ولن أتعرض هنا لهذا المظهر خاصة فى بعض المؤسسات الخاصة التى تقدم رسالة سلبية لأى مستثمر يرى أن هذا اهدار لوقت العامل الذى يتقاضى عليه أجرا.

ولن أناقش موقف «الإسلام» كما أقتنع به وهو موقف يعلى من قيمة العمل إلى الحد الذى يجعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يعنف شابا رآه مقيما فى المسجد يتعبد ليل نهار فسأله من يعولك فقال الشاب أخى يعولنى فيأتى رد أمير المؤمنين ساطعا وحاسما ليؤكد قيمة العمل فيقول للشاب «أخوك أعبد منك» ثم ينهره ويأمره بأن ينطلق فورا ليعمل.

لن أناقش هذا كله، بل لن أناقش ما يقال من أن الكثيرين لا يفعلون ذلك حرصا على أداء الفريضة بل تهرب من العمل، فهذه أمور تتعلق بالنوايا والنوايا لا يعلمها إلا الله.

أنا هنا أقدم الحل وفى تصورى فإن الحل المطلوب هو ضرورة حصول صاحب العمل - حكومة كانت أم أفرادا أم شركات - حصولهم على حقهم الطبيعى والقانونى والدينى فى أن يحصلوا على جهد العامل وانتاجه طوال فترة العمل كاملة غير منقوصة ما دام هذا العامل يحصل على أجره عن هذه الفترة كاملا حسب ما تم الاتفاق عليه.

وإذا كان أى نقص فى أجر العامل مرفوضا قانونا وضميرا مادام العامل قد أدى عمله على الوجه الأكمل طوال فترة العمل، فبنفس المنطق يجب أن نرفض تماما أن يحصل العامل على أجره كاملا إذا اقتطع بعض الوقت المختص للعمل وتوقف فى هذا الوقت المقتطع عن أداء عمله.

الحل - يا سادة - يحتاج لفهم صحيح للمقاصد العليا للإسلام، وأيضا لتقديم البدائل لمن له رأى آخر.

أولا: لا شك أن الإسلام عندما أتاح للمسلم أن يؤدى صلواته الخمس طوال اليوم وحدد لكل فرض عدة ساعات تكون الصلاة فيها «صلاة حاضرة» اتاح بهذا فرصة لعدة ساعات يؤدى فيها المسلم الفرض دون أن يترك عمله.

ثانيا: زيادة فى التيسير على المسلم ومراعاة لظروف العمل المختلفة أباح الإسلام «الجمع» بين صلاتي الظهر والعصر والمغرب والعشاء «جمع تقديم أو جمع تأخير» ولم يفعل الإسلام هذا عبثا بل جاء هذا التيسير لحث المسلم على احترام العمل والحرص على أدائه على وجهه الصحيح.

ثالثا: من رغب من العاملين فى أداء الفريضة عند رفع الأذان فى جماعة - كما يحدث الآن - فليكن له ذلك بشرط أن يتم حصر الأوقات التى ترك فيها العمل لأداء صلاة الجماعة ويختار العامل بين خصم قيمة الأوقات التى ترك فيها العمل من راتبه الشهرى أو من رصيد اجازاته.

وأعتقد أن من يصر على ترك العمل لأداء صلاة الجماعة على أساس إيمان حقيقى، مثل هذا العامل لن يعترض على أداء حق صاحب العمل فالحرص على أداء حقوق العباد - كل الحقوق - من صلب الإيمان بالله ولا تكتمل العبادة إلا بهذا الحرص.