ع الهوا
أباطرة الإعلام
تشهد الساحة الإعلامية فى مصر نشاطاً محموماً للسيطرة على وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية على مسرح هذا النشاط تتردد أسماء لعدد من كبار رجال الأعمال.
وعلى الجانب الآخر تزداد معانة «إعلام الدولة» وتتكاثر مشكلاته المادية والوظيفية، ويتعرض هذا الإعلام لهجمات شرسة تستند الى أخطاء فادحة أو تقصير واضح فى هذا الإعلام.. وتتصاعد الدعوات المناهضة لإقالة عثرة إعلام الدولة وتطويره، مطالبة بفرض هيمنة حكومية قوية بتعيين وزير للاعلام له صلاحيات مطلقة للسيطرة على هذا الإعلام، أو تركه على حالة الضعف التى تهدده بالاستسلام لرجال الأعمال سواء بالشكل المباشر أى ببيع هذا الإعلام لرجال أعمال أو بشكل غير مباشر بتركه ـ أى ترك إعلام الدولة ـ تحت رحمة شركات الإعلان التى يملكها رجال الأعمال.
هذه الظاهرة تتكشف أبعادها كل يوم، وينشط كثيرون للترويج لفكرة ترك الساحة الإعلامية تتشكل حسب نظرية العرض والطلب، ويؤكد من يتبنى هذا الفكر أن هذا التوجه ينسجم تماماً مع فكرة المجتمع الديمقراطى الحر الذى يترك كل ساحات النشاط للتنافس الحر.
ظاهر هذا المنطلق براق، بينما الحقيقة أن الإعلام نشاط لا يمكن ان يترك لآليات العرض والطلب كباقى السلع، لكنه نشاط يتعلق بتشكيل الاتجاهات الفكرية والسلوكية للمجتمع، هو ـ أى الإعلام ـ أحد الحصون التى تحمى المجتمعات من اتجاهات فكرية وسلوكية تهدد المجتمع بالتمزق أو الانحلال أو التعصب الذى ينتهى بصراع مجتمعى يدمر المجتمعات.
من هنا حرصت المجتمعات المستقرة على أن يكون للدولة «إعلام» يعبر عن الضمير الجمعى للشعب ويتحمل مسئولية التنوير والحفاظ على «الحرية» الحقيقية لكل فئات المجتمع، هذه الحرية التى تمثل «التعددية» البناءة وليست «الحرية الزائفة» التى تضرب على أوتار التفرقة والصراع بين مختلف فئات الشعب، وهذه الحرية يكفلها دستور وقوانين موادها منضبطة لا تسمح لأية فئة أو تيار بعينه أوسلطة، لا تسمح لأى من هذه الجهات «باحتكار» الإعلام.
الواقع الذى بدأت بوادره تتشكل بكل وضوح هذه الأيام أن «الإعلام» فى مصر يتجه بقوة وبسرعة مذهلة نحو السقوط فى دائرة «الصوت الأوحد» فسيطرة رجال الأعمال على المؤسسات الإعلامية بإنشاء التكتلات العملاقة التى تطرد من الساحة المؤسسات التى لا تملك «الأموال المتدفقة» على تلك التكتلات.
ومع تحقق السيطرة الكاملة لرجال الأعمال الذين يقودون حركة «احتكار» الإعلام، ومع استسلام «إعلام الدولة» لسطوة الإعلان الذى يملك مفاتيحه رجال الأعمال هؤلاء، مع تحقق الأوضاع على هذا النحو يصبح الإعلام فى مصر، صوتاً لتحالف الحكومة مع رأس المال، ويفرض هذا التحالف صوته الأوحد على هذا الإعلام، وهذا الصوت يمثل محصلة تفاهمات بين الحكومة ـ أى حكومة ـ وبين رجال الأعمال وهذه التفاهمات لايمكن بحال أن تمثل مصلحة الأغلبية الساحقة من الشعب، لكنها تمثل مصالح رجال الأعمال التى تستسلم لها الحكومات فى أغلب الأحيان لأن رجال الأعمال هؤلاء أصبحوا فى وضع يمكنهم من ممارسة أعنف الضعوط على أى حكومة. سواء بتحريك الخطاب الإعلامى الذى يسيطرون عليه ليهاجم الحكومة التى ترفض الرضوخ لمصالح رجال الأعمال، أو بمساندة أهل الحكم أن استجابوا لمطالب أباطرة الإعلام الخاص.
ولأن «إعلام الدولة» قد استسلم هو أيضاً لسطوة رأس المال متمثلة فى خضوعه للإعلان الذى يملك رجال الأعمال مفاتيح خزائنه، فسوف تكون الحكومة فى موقف بالغ الضعف ولا تملك إلا الاستسلام واسترضاء رجال الأعمال المسيطرين على الإعلام.
وقد يقول قائل إن الحكومات تملك وسائل ضغط رهيبة تستطيع أن تلوح بها لرجال الأعمال، وهذا قول منطقى، لكن الحكومات تستطيع أن تستخدم ورقة الضغط هذه إذا كانت مستندة الى «إعلام دولة» قوى يستطيع أن يواجه تأثير إعلام رجال الإعلام على الجماهير.
من هنا كان تنبه اللجنة الوطنية لوضع قوانين الإعلام لهذه الإشكالية، وقد وضعت اللجنة شروطاً واضحة للحد الأقصى الذى يسمح لأى رجل أعمال هو وأسرته بامتلاك أسهم فى أية مؤسسة إعلامية، واللجنة لم تبتدع هذا البند، لكنه بند موجود بالفعل فى قانون الصحافة الذى لم يزل سارياً والذى يحدد نسبة «10٪» كحد أقصى لملكية الشخص وأسرته فى أية مؤسسة صحفية.
ويبدو أن التشوهات التى ألحقتها الحكومة بمشروع قانون الإعلام الموحد الذى أصدرته الجماعة الإعلامية يبدو أن هذه التشوهات قد أطاحت بالمواد التى تحدد حداً أقصى لامتلاك أى مواطن لأسهم فى المؤسسات الإعلامية.