على فكرة
شخصية العام وكل عام
بنهاية اليوم، تودع بلادنا عاماً، وتستقبل غداً الأحد مع العالم أجمع، عاماً جديداً. وظاهرياً قد يبدو العام الآخذ فى الانتهاء على المستوى الداخلى، كئيباً ودامياً ومليئاً بالآلام والأحزان، لكن التوقف عند هذا التقييم فقط يبدو أيضاً غير دقيق وغير منصف، كما يعد نظرة خاطفة لا تتجاوز سطح الأشياء، فضلاً عن أنه يمنح العدميين والخصوم المتربصين واللاهين، من دعاة لا شىء يهم، ولا شىء يحدث، ولا شىء يتحرك سوى للوراء، ذرائع إضافية لمواصلة عبثهم وشرورهم.
ففى ظل أزمة اقتصادية خانقة، خلفتها عقود من المشاكل الحياتية المتراكمة، ومن حصار اقتصادى يفرضه خارجياً وإقليمياً، من أضرهم إسقاط ثورة 30 يونيو لمشروع الدولة الدينية فى مصر، التى يراد تعميمها فى المنطقة، وهو حصار بات يشارك فيه ببالغ الحزن والأسى أشقاء عرب، فإن تمكن الدولة من السيطرة هذا العام على مشاكل الكهرباء والسيول والمحروقات، والتواجد بقوة لحل مشكلة العشوائيات، ولإشاعة الأمن فى الشوارع والميادين وفى المدارس والجامعات ومدرجات الرياضة، يصبح إنجازاً مهماً لا يمكن إلا لمغرض التقليل من شأنه. وبرغم أن العام يغلق أبوابه على أنين ودموع وحسرة أسر شهداء الكنيسة البطرسية، وشهداء الجيش والشرطة، فإن الجانب الآخر من هذه الكوارث يؤكد أن ملاحقة الدولة للعصابات الإرهابية المسلحة فى سيناء وفى مدن وقرى المحافظات، يكشف عن نجاحات مؤكدة، بعضها معلن وظاهر فى حجم الأسلحة والمعدات الحربية والأموال بالعملات الأجنبية التى تصادرها الشرطة بمداهمة أوكار لجماعة الإخوان فى أنحاء الجمهورية، ولأنصارها من العصابات التكفيرية التى يتم تدريبها وتسليحها وتمويليها من دول الإقليم، وفى الأنفاق التى يتم غلقها وغمرها بالمياه، وبعضها الآخر غير معلن لأسباب أمنية تقود لخيوط جديدة لأوكار تلك العصابات. ولا جدال أن الدماء الطاهرة لهؤلاء الشهداء، كانت ثمناً غالياً وعزيزاً انتقاماً من تلك النجاحات.
وفى هذا العام المنقضى بعد ساعات، تأكد لمن ينقصه الدليل، عزم الدولة على مكافحة الفساد، الذى تفاقم بشكل مخيف وحطم معنويات المصريين، وغدا يهدد بالتهام كل محاولة جادة للإصلاح، بالكشف شبه اليومى عن جرائمه ومواقعه وأشخاصه أيا كانت مواقعهم القيادية. والحرب على الفساد هى جزء لا يتجزأ من الحرب على الإرهاب، ولوقف استنزاف موارد الدولة والوطن، وهى معركة طويلة وممتدة، يمكن أن تكلل بالنجاح بالتعاون الضرورى الذى لا بديل عنه، بين المواطنين وأجهزة الدولة الرقابية والتنفيذية، كى يعلم من يقدم على ارتكاب جرائمه أنه لم يعد بمنأى عن العقاب والحساب والمساءلة.
وفى بلد يرمم مؤسساته بعد طول إهمال وهدم منظم، يصبح التعلم من الأخطاء، والسعى لتفاديها مستقبلاً حدثاً مهماً تقوم به مؤسسات الدولة. فبعد الضحايا التى التهمتهم مياه البحر المتوسط فى محاولات الهجرة غير الشرعية، لم يعد يمر أسبوع طوال هذا العام، دون الكشف عن شبكات من سماسرة الهجرة غير الشرعية، بعد أن تم إحكام المراقبة عل الشواطئ، ومداهمة القرى التى يكثر بها وجود تلك الشبكات، والسعى لإيجاد فرص عمل لأبنائها. كما تم العمل على إعادة تأمين الكنائس، بأجهزة مراقبة حديثة ومتطورة.
وبرغم أننى فى معظم الحالات لا أثق فى حيدة استطلاعات الرأى العام، لأنها ببساطة انتقائية، لو تغيرت فئة المشاركين فيها، لتبدلت على الفور النتائج التى سبق أن توصلت إليها، ومع ذلك حين سئلت من إحداها، من هى الشخصية التى تمنحينها صوتك لتكون شخصية عام 2016، قلت دون تردد: المواطن المصرى. فبرغم معاناته من سياسات اقتصادية غاشمة، وغضبه من الطريقة التى تدير بها الحكومة، أمور حياته اليومية، فقد شكل صموده الأسطورى للتغلب على مصاعب تلك الحياة، وبطولته فى التسامح مع تعثر بعض السياسات، حائط صد أمام مشعلى الفتن الطائفية، ومروجى الإشاعات والأكاذيب. كما أضفت ثقته فى مؤسسات الدولة الحيوية، قوة هائلة، أفسدت على الإرهابيين مؤامراتهم، وساهمت بدور حيوى فى تضاؤل شرور الإرهاب، وانكماش خسائره. فمن غيره يكون شخصية العام وكل عام.