بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

على الهوا

ستات قادرة.. والست عبير

فى مقال سابق نبهت إلى خطورة عدد من الأعمال الدرامية التى تعرض على شاشات مصرية، وكشفت عن تجاوز هذه المسلسلات ما كنا نشكو منه من تشويه بشع للمجتمع المصرى لتصبح هذه المسلسلات أحد المصادر التى تشجع على تجنيد الشباب لدعم الجماعات الإرهابية، بعضها كـ«الأسطورة» بتقديم العنف كنموذج مثالى لتحقيق طموحات قطاعات من الشباب فى تحقيق النفوذ والثراء بالعنف والخروج على القانون.

والبعض مثل «ستات قادرة» يقدم ألواناً شتى من الانحلال الأخلاقى يستغله دعاة التعصب لجذب الشباب الذى يحرص على القيم الأخلاقية بمنطق مقاومة مثل هذا الفجور الذى أصبح ظاهرة اجتماعية فى مصر وإقناع هذا الشباب بأن الانضمام إلى جماعات التعصب والعنف باسم الدين والحفاظ على القيم الأخلاقية هو الطريق للتصدى لظاهرة الانحراف الفاجر التى تفشت فى المجتمع المصرى.

وكنت أتصور- لفرط سذاجتى- أن جميع من شاركوا أو بسبيلهم للمشاركة فى مثل هذه الأعمال شديدة «الانحطاط» سوف يصمتون خجلاً أو سيقدمون أعذارًا لقبولهم العمل فى مثل هذه المسلسلات سواء بحجة الحاجة إلى المشاركة فى مثل هذه الأعمال لضمان دخل يضمن لهم الحياة فى مجتمع أصبحت مثل هذه الأعمال هى ما يتم عرضه عليهم.. أو بمنطق أنهم قبلوا العمل قبل أن يقرؤوا السيناريو.. أو أية حجة أخرى مماثلة.

هكذا تصورت رد فعل من شاركوا فى مثل هذه الأعمال، لكننى فوجئت ببعض من شاركوا فى هذه «الجرائم الفنية» يباهون بمشاركتهم فى هذه الأعمال.

توقفت أمام تصريحات للست عبير صبرى وهى تجسد شخصية واحدة من «الستات القادرة» تفاخر بأنها «راضية عن دورها فى مسلسل ستات قادرة وهو المسلسل الذى حقق رد فعل قوياً منذ حلقاته الأولى».

إلى هنا والست عبير من حقها أن تبدى رضاها بل وتباهى بإتقانها تجسيد شخصية إحدى الفتيات المنحرفات ومن حقها أيضا أن تبرر ارتداءها لملابس فاضحة بحجة أن طبيعة الشخصية تتطلب ارتداء مثل هذه النوعية من الملابس.

كان من الممكن ألا أتوقف أمام حوار الست عبير طالما بقى حديثها فى إطار قناعاتها الشخصية.. أما أن تضخم الست عبير نفسها على «عالم نقاد الدراما» أو الكتاب والمفكرين الذين يرصدون بموضوعية الآثار الاجتماعية والسلوكية والفكرية التى تبثها الأعمال الدرامية، فهذا هو الأمر الذى دعانى لمناقشة ما قالته الست عبير لعلها هى ومن على شاكلتها يفهمون ما يكتبه نقاد الدراما والكتاب المعينون بعلوم الاجتماع عامة وعلم النفس الاجتماعى خاصة.

تدافع الست عبير عن تقديم هذه النوعية من الأعمال بأن المسلسل يقدم قصصا من واقع المجتمع وأن كل الألفاظ والمصطلحات التى قيلت بالمسلسل كانت من واقع المجتمع الشعبى.

وهنا أنصح الست عبير بأن تقرأ ما كتبه نقاد الدراما المحترمون- وأظنها تعرف القراءة- وسوف تتعلم من هذه القراءات أن «الواقعية» لا تعنى نقل «الواقع» كما هو، فالفن مهمته الارتقاء بالمجتمع من خلال ترقية ذوقه وتنقيته من كل ما هو بشع وقبيح، ولهذا فإن التناول الفنى للقصص والأحداث الواقعية لا يتطلب استعراض تفاصيل ما هو قبيح وبشع وما يصدم الذوق العام من عبارات أو تصرفات، لكن الكاتب المتمكن والمحترم يستطيع أن يقدم الواقع البشع دون أن يصدم الشعور العام للمجتمع، خاصة إذا كان العمل يعرض على شاشات التليفزيون.. ويجمع نقاد الدراما وعلماء الاجتماع والكتاب المحترمون على أن ما يمكن أن يتم التسامح فيه بدرجة ما فيما يعرض بدور السينما لا يمكن بأى حال أن يسمح به فى الأعمال التى تعرض على شاشات التليفزيون المتاحة دون أى قيود أو خيارات لجميع أفراد المجتمع بكل فئاته العمرية ومستوياته الثقافية.

أما تبرير الست عبير بالقول إن نهاية الفتيات المنحرفات ستكون مأساوية، فهذه الحجة أيضا تحتاج من الست عبير لمزيد من القراءة.. فعندما يتابع المشاهد على مدى ثلاثين أو ستين يوما أحداث المسلسل ويرى كيف حققت الفتيات المنحرفات الثراء والاستمتاع بالحياة، فإن هذا الإلحاح طوال هذه الفترة الزمنية على مغانم ومكاسب الانحراف لا يمكن لبعض المشاهد فى الحلقة الأخيرة التى لا تستغرق إلا بعض دقائق.. لا يمكن لمثل هذه الدقائق التى تعرض النهاية المأساوية للفتيات لا يمكنها أن تمحو آثار الساعات الطوال التى رسخت فى نفوس المشاهدين فكرة الثراء والحياة المرفهة التى تحققها الفتاة التى تمارس الدعارة.

وأما الحديث عن كثافة المشاهدة فهذه حقيقة، لأن الكثيرين من الشباب والفتيات فى سن المراهقة يقبلون على مشاهدة مثل هذه الأعمال، بل إن الامعان فى تقديم تفاصيل الانحراف يزيد من جذب المراهقين.

وإذا وافقنا على عرض الأفلام الجنسية فمن المؤكد أن المشاهدة ستحقق قفزات رهيبة.. فهل ترى السيدة عبير أن تتخذ من كثافة المشاهدة معيارا للنجاح مهما كانت المادة الجاذبة للمشاهدين ونوعية المشاهدين؟!

يبقى أن أنصح الست عبير بألا تفخم نفسها على مجالات ليست مؤهلة للخوض فيها، وتتفرغ الست عبير لإتقان عملها كممثلة تستطيع أن تجسد شخصيات عديدة من بينها شخصية فتاة منحرفة باقتدار يجعل المشاهد يقتنع أنه يشاهد فعلا شخصية طبيعية.