بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

أوراق مسافرة

إعلامنا وإحراق «شعرة» معاوية

تروى قصص التراث الإسلامى أن أعرابياً جاء لمعاوية بن أبى سفيان وسأله كيف حكمت الشام أربعين سنة ولم تحدث فتنة والدنيا تغلى؟، فقال له معاوية: «إنّى لا أضع سيفى حيث يكفينى سوطى ولا أضع سوطى حيث يكفينى لسانى، ولو أن بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا شدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها» كانت هذه القصة فى اوائل عصر الإسلام، ومنها اقتبسنا على مر الأجيال مقوله «الابقاء على شعرة معاوية» فى أمثالنا الشعبية، وهى مقوله لها ذكاء التطبيق والتنفيذ، فهى المنقذ من تمزيق العلاقات على جميع المستويات، العلاقات الدولية «يتثنى منها بالطبع حالات الحرب»، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، حتى علاقتنا الخاصة بصورة شخصية، فاذا خاصمت فلا تفجر فى خصومتك، فالفجر فى الخصومة شيمة المنافقين الأفاكين، ومن الحكمة والعقل الابقاء دوما على خيط رفيع أو على شعرة معاوية فى العلاقات المتوترة التى تقارب على الانفصام أو الانقطاع، فلا يعلم أحد متغيرات الزمن، أو ما تخبئه الأقدار غدا، فسياسة الأرض المحروقة سياسة فاشلة فى كل العلاقات، والإبقاء دوما على منحنى للرجوع هو سر بقاء البشرية فى علاقات دائمة متواصلة وان اهتزت حينا نتيجة متعرجات و متغيرات ما.

قصدت من مقدمتى تأكيد أن الفجور فى الخصومة غباء مستحكم، وللأسف نجد بعض ساستنا واعلامينا ومنهم المشاهير يتبعون سياسة الارض المحروقة إذا ما اشتجرت خلافات أو خصومة بيننا وبين أى دولة أخرى، ونجد عندنا ماراثون فى تمزيق شعرة معاوية أو إحراقها، وينسى هؤلاء أن الفطنة السياسية تقضى بأن تبقى دوما جسرًا للرجوع وإلا تهدم كل جسور العلاقات، فخلاف مصر مع أى نظام دولة وحكام دولة، لا يعنى أبدا خلافنا مع شعب هذه الدولة، ولا يعنى ابدا انه خلاف أبدى سيمتد حتى نهاية العالم، لأن من البديهى أن الخلاف مع نظام ما مرهون به، وقد تخف حدة الخلاف أو ينتهى تماما برحيل هذا النظام، أو رحيل الشخص موضع الخلاف والذى يدير النظام ليأتى من هو اكثر منه حكمة وفطنة.

أما أن نمارس الفجور فى السياسة والفجور الإعلامى، ونتبارى فى كيل الاتهامات والسباب بأقذع الألفاظ لنطول بها ساسة أو حكامًا لخلافنا معهم أو لوجود اسباب على السطح للعداء، فهذا أمر مرفوض، ويعنى اشعال الموقف بصورة اخطر، ويعنى اغراق كل المراكب فلا ينجو أحد ويعنى احراق كل الارض فلا نترك فرصة لأى ثمار من جديد فى مستقبل العلاقات، علاقات الدول بعضها ببعض فى متغيرات ومراحل، ولم يكن يتصور أحد فى الماضى مثلا أن المانيا التى احتلت وخربت معظم دول أوروبا هى الآن فى تحالف قوى مع هذه الدول سياسيا واقتصاديا داخل مجموعة الاتحاد الأوروبى.

فلو طبقنا ساسة وإعلام قاعدة الإبقاء على شعرة معاوية لأعطينا لكل شىء حجمه وتجنبنا الدخول فى مهاترات وصراعات وحروب كلامية ليس لها جدوى ولا تحل أو تربط، فقط تزيد من تعميق الفجوة بيننا وبين الدول سواء عربية أو غربية، مطلوب الحكمة، مطلوب اعمال العقل والضمير، فيا أيها الإعلاميون، مصر لن تستفيد من ألسنتكم وتطاولكم، ولن تكونوا كاثوليك أكثر من بابا روما، دورنا الإعلامى هو نقل المعلومة والرصد والتحليل وقراءة ما وراء الأخبار، وتنوير الشعب بما يحيط به من أخطار ومؤامرات، ودورنا ليس أبدا التدخل فى العلاقات السياسية، أو إشعال هذه العلاقات بمزيد من الخلافات أن وجدت، أرجوكم تحلوا بالذكاء وبفطنة من أبقى على شعرة العلاقات، اقصد شعرة معاوية.

[email protected]