بدون رتوش
هل باتت فى مفترق طرق؟
أكثر من قضية غدت اليوم تجابه السعودية سواء فى النطاق الإقليمى أو الدولى، فى ظل التطورات الجارية، وتتصدرها علاقاتها مع أمريكا، بعد أن أصبح «دونالد ترامب» هو الرئيس الذى سيتسلم مهامه فى العشرين من يناير القادم، والتغييرات التى ستطرأ على السياسة الأمريكية والأوراق الجديدة التى سيطرحها بالنسبة للمنطقة ويتصدرها تركيزه على محاربة الإرهاب كأولوية، ووقف كل أشكال الدعم للمعارضة السورية المسلحة التى راهن عليها الغرب وكل من السعودية وتركيا وقطر على مدى السنوات الخمس الماضية لإسقاط النظام السورى.
ولعل ما قاله «ترامب» لصحيفة «وول ستريت جورنال» عن الحرب فى سوريا خير دليل على رؤيته حيال هذه القضية، فلقد استنكر دعم ما يطلق عليه «معارضة سورية» وقال: «كيف ننفق الوقت والمال لحساب من لا نعرفهم ولا نعرف درجة الوثوق بهم؟ ولماذا علينا اعتبار إسقاط «الأسد» قضية تخص أمريكا؟ ولماذا لا ننظر من منظار أولوية الحرب على «داعش» فنتعاون مع سوريا ورئيسها من موقع المصلحة الأمريكية. لا سيما أن روسيا وإيران تدعمان الرئيس السورى، فالإصرار على إسقاطه يعد تصادماً معهما، فهل فى مصلحتنا ما يستحق ذلك؟». وكأنه يبعث برسالة تنبيه إلى السعودية لوقف تدخلها فى الشأن السورى وإصرارها على إسقاط النظام لما سيخلفه هذا من نتائج كارثية تحل بسوريا والمنطقة.
زادت أزمة السعودية تفاقماً بدخولها إلى حلبة اليمن، والتى كانت بمثابة عش الدبابير بالنسبة إليها لا سيما أن حملتها التى أطلقت عليها «عاصفة الحزم» فى 26 مارس 2015 لم تأت بالنتائج المرجوة حتى الآن. على العكس أوقعت الضحايا ودمرت اليمن ولم تجن السعودية منها غير الخسائر المعنوية والمادية. ثم جاءت صفعة أخرى جسَّدها قانون «جاستا» الأمريكى، بعد أن أقره الكونجرس فى 3 أكتوبر الماضى، والذى يسعى إلى استنزاف أرصدة المملكة غصباً وعدواناً. ثم ظهرت الأزمة التى حاقت بالاقتصاد السعودى إثر انخفاض أسعار النفط فى أعقاب زيادة الإنتاج. وأسفر هذا عن عجز فى الموازنة وعن معاناة عشرات الآلاف من العاملين الأجانب. ولهذا تعول السعودية الآن على الاجتماع المقرر فى ڤيينا فى 30 نوفمبر الجارى وصولاً إلى اتفاق دول «الأوبك» على خفض الإنتاج لتحقيق الاستقرار فى الأسعار.
جاءت التغييرات الأخيرة فى لبنان، وتم تنصيب الجنرال «عون» رئيساً، وهو ما كانت تعارضه من قبل حيث كانت تطالب بالتمديد للرئيس السابق «ميشال سليمان». ولكنها اليوم وخشية احتراق ورقتها فى لبنان بادرت بدعم «عون» ومد الجسور مع الدولة عبر التلميح بإحياء الهبة العسكرية المخصصة لدعم الجيش اللبنانى التى كانت قد ألغتها فى فبراير الماضى. وحرص لبنان على تحديد ملامح سياسته فى خطاب القسم الجديد فى 31 أكتوبر الماضى، والتى ارتكزت على استقلالية القرار، وعلى الانفتاح والتعاون مع دول الخليج، وفقاً لميثاق الجامعة، والابتعاد عن سياسة المحاور، وعدم التدخل فى الشئون الداخلية. أزمة أخرى تسببت فيها المملكة عندما توترت العلاقات مع مصر على خلفية تصويت الأخيرة فى مجلس الأمن فى 8 أكتوبر الماضى على مشروع قرار روسى يخص سوريا، فكان أن استاءت السعودية لخروج مصر عن بيت طاعتها، وبدا وكأن السعودية تستخدم الفيتو على أى دور مصرى خارج عباءتها!
ولا شك أن كل هذه الأزمات وغيرها تمثل إخفاقات للسياسة السعودية فى المنطقة، وهو ما يجعلها تقف فى مفترق طرق تواجه فيه اختياراً وجودياً يتعين عليها من أجله اتخاذ قرار مصيرى، وهو ما يتوقف عليه الكثير من الأمور. ليظل الحل فى يدها للخروج من هذه الدائرة المغلقة.