ضربة قلم
الناس مقامات
فى الوقت الذى تتشدق فيه الحكومة بزيادة مبلغ الدعم العينى للمواطن من 18 إلى 21 جنيهاً، وهو نفس الوقت الذى اشتعلت فيه نار الأسعار التى طالت الطبقتين الوسطى والفقيرة.. عندما تكتظ السجون بالسيدات الغارمات اللائى عجزن عن تسديد أقساط ديونهن التى لا تتجاوز بضعة آلاف لكل منهن من أجل تجهيز بناتهن.
بينما يفلت الفاسدون بما سرقوه من الحساب والعقاب.. عندما تعلم أن الاعتمادات المخصصة لبرنامج «تكافل وكرامة» لرعاية 600 ألف أسرة فقيرة «نحو مليونى شخص على الأقل» لا تزيد على 1.8 مليار جنيه، وأن ميزانية العلاج على نفقة الدولة لا تتجاوز 3 مليارات و137 مليون جنيه ولا تكفى لعلاج غير القادرين وأن ميزانية هيئة التأمين الصحى ستة مليارات جنيه مخصصة لعلاج 50 مليوناً و271 ألف مواطن سنوياً.. ثم تكتشف أن الحكومة التى تطنطن للجنيهات الثلاثة هى نفسها الحكومة التى قدمت فى الدورة البرلمانية المنتهية فى سبتمبر الماضى مشروعى قانونيين لزيادة الدفعة الأولى لصالح صندوق ضباط الشرطة، والثانى بفرض طابع دمغة بعشرة جنيهات على جميع الأوراق التى تقدم للمحاكم، وتؤول حصيلتها إلى صندوق الخدمات الصحية والاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية.. يبرر المسئولون بوزارة العدل هذه الزيادة التى يدفعها المواطن بأن مصروفات الصندوق تجاوزت المليار جنيه، وأن أعباء الصندوق زادت لارتفاع أسعار العلاج بالمستشفيات، بالإضافة لزيادة الأعباء الاجتماعية لأعضاء الهيئات القضائية.. أكثر من مليار جنيه أنفق على رعايتهم صحياً واجتماعياً وعددهم نحو 23 ألف مواطن، وحين اعترض أحد النواب على تحميل هذه الزيادة على عاتق المواطن وطالب بتمويلها من مرتبات أعضاء الهيئات القضائية تم الرد عليه بأنه يجب أن يختار كلماته حين يتحدث عن أصحاب المقام الرفيع.. وزارة العدل رفضت تقديم أى بيانان حول إيرادات الصندوق ومصروفاته إلى اللجنة التشريعية، وتمكين البرلمان من مراقبة أعمال الصندوق، كما أنها لم تقدم أى دراسة إكتوارية.
نصيب عضو الهيئات القضائية من الرعاية الصحية والاجتماعية يتجاوز 43 ألف جنيه بالتساوى، بينما نصيب المواطن من الرعاية الصحية فى التأمين الصحى لا يتعدى 120 جنيهاً.
نعم تقرر إرجاء التصويت النهائى على المشروعين، لكنه جاهز للتمرير فى الوقت المناسب. عندما تعرف كل ذلك عليك أن تحدد موقفك من منظومة العدالة الاجتماعية فى مصر، وكيف أن كلام الدستور عن المساواة فى الحقوق والواجبات مجرد حبر على ورق. حين تعرف كل ذلك سوف تتأكد من صدق عبارة جورج أورويل مؤلف قصة «مزرعة الحيوانات» على لسان الخنزير بنيامين بأن الناس متساوون ولكن بعض الناس أكثر تساوياً من البعض الآخر.. وإذا كان السكن والتعليم والصحة حق مكفول بموجب الدستور، فإن الواقع يصدمك كل يوم بأن الناس مقامات.