أوراق مسافرة
مصر للبلطجية.. مواصلاتنا «14»
«سمك.. لبن.. تمر هندى»، كلما نزلت الشارع لا بد أن تردد هذه الجملة، وأنت ترى جنون الشارع، وتداخل الاتجاهات للسيارات كبيرها وصغيرها بدءاً من أتوبيساتها وصولاً إلى تكاتكها، لتشعر وكأن الشارع تحول إلى قطعة «كنافة» لا تعرف أوله من آخره، سيارة تسير بالعرض، وأخرى تقطع الشارع أمامك فجأة؛ لأن السائق تذكر وجوب دخوله يميناً بدلاً من الشمال دون سابق إنذار، وويلك لو لمست سيارته لأنك لم تتحسب لتصرفه المفاجئ أو لملكيته للشارع، وثالثة تسير عكس الاتجاه، وميكروباص مهشم يتجاوزك فى «فتونة»، وسائقه فى حالة «انتشاء» إما بفعل سيجارة حشيش أو برشامة من إياهم تجعله لا يرى ما أمامه، وأتوبيس نقل عام يقف كل دقيقة لإنزال راكب أو لتصعد إليه «مُزة» راقت للسائق، فضرب بعرض الحائط كل اهتمامه بحياة أو أوقات الركاب أو المارة أو باقى السيارات، ووقف لتصعد الحسناء وسط سخط وتأفف كل المحيطين به، وكأن كل نقطة فى شوارع مصر هى محطة خاصة له، أما إذا وصل للمحطة الأساسية، فسيتجاوزها ويترك الركاب المنتظرين منذ وقت يهرولون ويصرخون خلفه «استنى يا سطى» ويتخلل كل هذا تكاتك تخترق السيارات لـ«تخبط» هذه، وتخدش تلك، أو «تخبط» مواطناً عادياً يهرول لأمر من أموره.
بلطجة.. مواصلاتنا تحكمها البلطجة، وقوة الذراع واللسان الطويل، إذا كنت تمتلك أياً من هؤلاء أو إحداها على الأقل وأقلها اللسان الطويل، فأنت ستسير فى الشارع بأمان، وستستقل أى مواصلة بأمان، وستقود سيارتك فى أمان دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منك، المهم أن تنوى البلطجة وتستعين بها بعد استعانتك بالله، وأنت تغادر بيتك، ولا جدوى أبداً من وجود إشارات حديثة، فالإشارات نفسها تتعطل وتتوقف عن العمل، وكأنها أصيبت باليأس من احترامها فاعتزلت الخدمة، ولا جدوى من وجود رجال المرور بعد أن تم تسليم الأمر لصبية مراهقين وشباب صغار السن، ولا أعرف من قام بتعيينهم فى هذه المهمة، ومن جاء بهم لينتشر هؤلاء الشبيبة أو الصبية بزى المرور فى أهم الشوارع وأكثرها زحاماً، يشيرون يميناً، وفى الوقت نفسه، وباليد الأخرى يشيرون يساراً، فلا يعرف قادة السيارة أحقية السير لمن، وتتداخل السيارات مع الاتجاهات، والصبى يقف فاتحاً فمه فى بلاهة، وهو يرى الارتباك الذى صنعه بنفسه، فينصرف غير مبالٍ إلى هاتفه الجوال، غير مبالٍ بالفوضى التى صنعها بجهله وبجهل من ولوه هذه المهمة الخطيرة، ولن ترى رجل مرور يعتد به أو برتبة ملازم حتى إلا إذا كان هذا الشارع محظوظاً بمرور مسئول ما، وبعد مروره، تعود الفوضى والبلطجة للشارع إلى ما لا نهاية، بلدنا من أسوأ 10 دول فى العالم من حيث ارتفاع عدد حوادث الطرق؛ بسبب الفوضى والبلطجة، أكثر من 14500 حادث العام الماضى، خسائر مصر بسبب هذه الحوادث بلغت 30٫2 مليار جنيه، وعدد القتلى والجرحى أكثر 25500 شخص سنوياً، شوارعنا صارت مصدراً لكل أمراضنا الخطيرة، ضغط الدم، السكر، القلب، أو والعياذ بالله الجلطة المؤدية للشلل، نفس حالة الشلل التى تصيب شوارعنا فى أوقات الذروة وغير الذروة.
مطلوب إعادة صياغة لشوارعنا، مطلوب إعادة الانضباط واستعادة الاحترام والأخلاق، شوارعنا أهم وسيلة من وسائل حياتنا.. أهم جسر لقضاء أمورنا وذهابنا لأعمالنا.. مدارسنا وجامعاتنا، نبدأ يومنا بتلك الفوضى، وننهيها بنفس الفوضى، ونتشاهد على أرواحنا ما إن نعود سالمين لبيوتنا من هذا العراك والبلطجة.. الرحمة بنا.. بأعصابنا.. بأرواحنا.. وللحديث بقية.