أحوالنا
بطولة الزهد وحضارة التقشف
أستعير عنوان هذا المقال من كاتبنا الكبير يوسف إدريس، وكان قد اختار هذا العنوان لسلسلة مقالات نشرها فى صحيفة الأهرام عن جولة قام بها فى جنوب شرق آسيا فى بداية السبعينات من القرن الماضى، استهلها باليابان، حيث سعدت بصحبته فيها، وتنقل خلالها فى عدد من الدول التى باتت تعرف فيما بعد بالنمور الآسيوية. كانت اليابان قد نفضت عن نفسها غبار الحرب العالمية الثانية التى انتهت بصورة مأساوية بتدمير مدينتى هيروشيما وناجازاكى بالقنابل الذرية. وتأكيداً لصحوة اليابان الحديثة استضافت البلاد حدثين هامين هما دورة الألعاب الأولمبية التى أقيمت فى طوكيو عام ١٩٦٤ والمعرض الصناعى الدولى الذى يقام كل عشر سنوات فى إحدى دول العالم وقد استضافته فى عام ١٩٧٠ مدينة أوساكا ثانى أكبر المدن اليابانية. كانت سنوات الستينات والسبعينات شاهداً على ما يعرف بالمعجزة اليابانية، وهى المعجزة التى أعادت فيها اليابان ما دمرته الحرب وحققت معدلات نمو مكنتها من احتلال المرتبة الثانية اقتصاديا بين دول العالم بعد الولايات المتحدة مباشرة.
وفى محاولة التعرف على سر المعجزة اليابانية غاص الكاتب العبقرى يوسف إدريس إلى ما وراء القشرة الخارجية للعمل الدؤوب الذى شاهده أمام عينيه ووصل إلى قناعة لخصها فى هذا العنوان الذى يكشف الكثير عن جوهر قصة النجاح اليابانية ومن ثم نجاح الشعوب الآسيوية التى سارت على نفس الدرب. فبدون الزهد والتقشف لم يكن هناك من سبيل لتحقيق معدلات النمو المذهلة التى حققها الآسيويون. أما مظاهر هذا الزهد والتقشف فقد كانت واضحة فى كل مظاهر الحياة. فمن حيث المأكل يكتفى الفرد بحفنة من الأرز إلى جانب أقل القليل من المواد الغذائية الأخرى. كما كانت مساكن اليابانيين شاهداً قوياً على التقشف. فإلى جانب أنها عادة ما تبعد بحوالى ساعتين بالقطار عن مكان العمل، فإنها كانت مساكن صغيرة تشبه جحور الأرانب. ولم تكن هذه المساكن مزودة بحمامات ولكن كان الجميع يلجأون إلى الاستحمام فى الحمامات العامة. وبدون ادعاءات اشتراكية كانت الغالبية العظمى من اليابانيين يعيشون هذه الحياة بأقل مطالب فى الوقت الذى يبذلون فيه أقصى جهد لتحقيق رفعة البلاد وتقدمها.
إن مفتاح التقدم الذى أتاح لليابان أن تصل إلى ما وصلت إليه، هو نفس المفتاح الذى أتاح للنمور الآسيوية أن تحقق ما حققته من نجاح. وهذا المفتاح متاح للجميع. وهو متاح لنا الآن. وليست فيه أسرار أو ألغاز. كل المطلوب هو العمل الجاد والدؤوب مع كثير من الزهد والتقشف المصحوب بإنكار الذات. وعلينا أن ندرك أننا ننطلق فى مسيرتنا من نقطة أعلى بكثير من النقطة التى بدأت منها اليابان التى دمرتها حرب عاتية لم تبق فيها ولم تذر. ونحن كشعب لسنا أقل قدرة من شعوب آسيا على التقشف. فقد عشنا من قبل حياة التقشف ونحن نعد لمعركة المصير فى حرب أكتوبر المجيدة. ومن عاش تلك الأيام لابد أنه يتذكر كيف كنّا نقف فى طوابير طويلة للحصول على الخبز أو للحصول على دجاجة. إن المعركة الاقتصادية التى نخوضها الآن لا تقل ضراوة عن المعارك التى يخوضها الجنود بالسلاح والنيران. وهى معركة مصير ومعركة كرامة. فإما أن نخرج منها منتصرين ومرفوعى الرؤوس، وساعتها سوف نتذوق حلاوة الانتصار المصحوبة برغد العيش، أو أن نخرج مدحورين نتجرع مرارة الهزيمة. ولا شك أن مثل هذه المعارك الكبرى تتطلب مشاركة الجميع. كل حسب طاقته. فإذا كان الإنسان البسيط مطالباً باحتمال أوجاع قلة الموارد وزيادة الأعباء فإنه يتعين على القادرين منا أن يساهموا فى التخفيف عن إخوتهم كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا. وقد أحسنت الحكومة صنعا بإعلانها حالة التقشف فى دواوينها بما يصل إلى خمسين فى المئة من موازناتها، ونرجو أن نراعى ونحن نطبق ذلك عدم المساس بدخول الطبقات الدنيا من العاملين وليس بمرتباتهم فقط وفى الوقت ذاته نناشد كبار رجال الأعمال أن يراعوا الله فى وطنهم ويوجهوا استثماراتهم داخل مصر، وعليهم أن يتذكروا انهم حققوا ثرواتهم من خيرات هذا الوطن وعليهم أن يوفوا بما فى رقابهم من دين.